fbpx

لمحة عن تاريخ العمل المدني في سورية

0

رغم أن العديد من المنظمات السورية التي نشأت بدءاً من منتصف القرن الماضي حملت أهدافاً «مدنية»، أي أهدافاً تصب في سياق المواطنة وحقوق المواطنين، لكن من الصعب تصنيفها على أنها «منظمات مدنية» لأسباب عدة.

أهم تلك الأسباب أن أياً من هذه المنظمات لم تنشأ من قبل المجتمع نفسه، أعضاء مستقلين فيه، بل من قبل جهات سياسية استخدمت قضايا مجتمعية عامة من أجل عملها ورواجها الحزبي.

فـ «الإتحاد النسائي» مثلاً منظمة تعمل على أهداف مدنية من حيث المبدأ، لكنها نشأت بقرار وإدارة وسلطة حزبية، (البعث) في 1967، وفقدت لاحقاً حتى أهدافها الأساسية متحولة إلى إحدى أدوات «السلطة» في التحكم بالمجتمع.

كذلك الأمر مع «رابطة النساء السوريات» (1948) التي أنشأها الحزب الشيوعي السوري قبل أن يتمزق إلى أحزاب، وتتمزق الرابطة نفسها معه، وبأسماء مختلفة. والأمر نفسه مع منظمات مشهورة كاتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة وطلائع البعث…

النقابات أيضاً يمكن، بقليل من التساهل، اعتبارها منظمات مدنية, لكنها خضعت بدرجات للسلطات المتعاقبة قبل أن تتم السيطرة عليها بشكل مطلق في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتتحول أيضاً إلى أدوات للسلطة.

أما الجمعيات «الخيرية» فهي جميعها بلا استثناء جمعيات دينية/طائفية، سواء تكنّت باسم ديني واضح أم لا، وأهدافها وآليات عملها ومرجعياتها دينية وطائفية، وبالتالي لا تقع ضمن منظمات المجتمع المدني.

كذلك الأمر مع منظمات «شبه سرية» كـ «القبيسيات» التي شكلت أداة أساسية للتيارات الدينية الساعية إلى السلطة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم أداة للسلطة نفسها بعد هزيمة «الأخوان المسلمون» في ذلك الوقت. وتعدّ «القبيسيات» أهم المنظمات التي تؤمن السيطرة على قطاع واسع، غالباً ما كان خارج نطاق السيطرة، هو النساء المسلمات ولادة وإيماناً من المذهب السني، خاصة في دمشق ومحيطها القريب.

بالطبع لم يكن لقضايا أساسية كالبيئة وحقوق الإنسان والمساواة محل في تلك الأيام. وحتى الطفل لم يكن سوى جزءاً بسيطاً تحت الاسم العام «الأسرة».

وبالكاد في أواخر الثمانينيات ظهرت منظمة سرية باسم «لجان الدفاع عن حقوق الإنسان»، حملت أهدافاً تنتمي للعالم «المدني»، وبآليات مدنية إلى حد ما، ولم تتضمن أي أسس عنصرية دينية أو طائفية أو قومية أو حزبية أو جنسية. لكن اتهامات وجّهت لها لاحقاً بأنها تابعة لحزب شيوعي سري آنذاك (حزب العمل الشيوعي)، وسرعان ما تم اعتقال جميع أعضائها وأودعوا السجون.

لكن السلطة في سورية شهدت نقلة نوعية إلى حد ما، إثر تَبَوّؤ الرئيس بشار الأسد السلطة حاملاً معه وعوداً كثيرة بتغييرات جذرية.

في السنوات الأولى من الألفية الجديدة تحرك العديد من الناشطين في فضاء عام غير محدد الملامح، متوجها نحو المطالبة بتغييرات في السلطة وفي علاقتها مع المجتمع، ترواحت بين إلغاء حالة الطوارئ المفروضة منذ 1963 والمطالبة بتغيير السلطة بالكامل، وهي الفترة التي سميت «ربيع دمشق».

وفي سياق هذا النشاط، ومع بدء انفتاح «معرفي» على الخارج عن طريق الإنترنت أساساً، وتخفيف القيود على الإعلام بالدرجة الثانية، تحرّك البعض باتجاه إنشاء منظمات تحمل أسماء مدنية مختلفة، لكن أغلبيتها المطلقة اتجهت نحو عنوان عريض هو «حقوق الإنسان»، بالمعنى «السياسي» حصراً، وبلغة سياسية.

وبالطبع، جميع هذه المنظمات لم تكن «قانونية»، فبعضها حاول الحصول على ترخيص قانوني وفق «قانون الجمعيات» لكن طلبه رفض، وبعضها الآخر فضّل عدم الدخول في متاهة معروفة النتائج. وجميعها تقريباً حوربت بأشكال مختلفة من قبل «الجهات المختصة»!!

ونحو منتصف العقد بدأت بالظهور منظمات جديدة تسعى إلى أهداف مدنية، ولا تنضوي تحت رايات سياسية، مثل قضايا النساء، والمواطنة، والبيئة، والعنف المجتمعي.

تحتاج هذه الفترة من تاريخ سورية، العقد الأول من الألفية الثالثة، الكثير من الحديث في جوانب متعددة، فهي كباقي تاريخ سورية الحديث: مسخّرة فقط ضمن إطار النزاع على السلطة، فأغلب ما قيل عنها صب في سياق هجوم السلطة وأدواتها على كل من لا يخضع لها، أو في سياق هجوم «المعارضة» على السلطة بكل ما ومن فيها. وبالتالي غابت الكثير من الحقائق التي شكلت أرضية واسعة وبيئة ملائمة لما سينفجر في وجهنا. في بداية العقد الثاني: حراك شعبي غاضب يتحول بسرعة قياسية إلى ثورة دينية طائفية، ومن ثم يسقط كالبرق في هاوية العمالة والخيانة، وتدخل سورية في نفق حرب بمستويات عدة حصدت أرواح مئات ألاف السوريين والسوريات، وتسببت بإعاقة مئات آلاف آخرين، ودمرت اقتصادنا، وأعادت الوعي المجتمعي السوري قروناً إلى الوراء.

لم تكن هذه سوى «لمحة» سريعة لتاريخ العمل المدني في سورية، تحتاج إلى الكثير الكثير من التفاصيل، وخاصة إلى معالجة بعض النماذج كل على حدة.

ولا تهدف هذه اللمحة أو تلك التفاصيل إلى استعراض التاريخ ولا إلى الدخول في أي سجال حول ما جرى، بل فقط إلى تلمّس الإمكانيات الحقيقة للعمل المدني في سورية، بالأحرى إلى اكتشاف إمكانيات خروجنا من نفق الانتماءات الصغيرة الضيقة والمتخلفة، بكل أسمائها إلى فضاء المواطنة التي نستحقها.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...