fbpx

من إدلب إلى الفاتيكان … رسالة إلى قداسة البابا فرنسيس

0

كتب الإعلامي غسان الشامي على صفحته على فيسبوك : صاحب القداسة ..تحية وسلام من مشرقي إعلامي علماني يقرع أجراس المشرق منذ سبع سنوات

فاتحة
في البدء ، وبعد كل هذه الدماء والآلام والدمار في بلادنا، ولأننا نرى في كرسي بطرس الرسول وجه تلميذ خارج من جليلنا ليصبح صخرة المسيحية العالمية، يجوز لنا ،ونحن من نتابع قداستكم ونرى في آرائكم علماً وإنسانية، أن نصارحكم بكل محبة قائلين :إن كان لديكم أيها الحبر الجليل كلاماً في السياسة متكئاً على ما تراه عينا الحق الاثنتين حول سوريا فأهلاً به، أما إن كان مبنياً على ما تراه عين واحدة لمستشار هنا أو موظف هناك، فإن الصمت أولى، لأنكم بهذا لا تتركون للمسيحيين المشرقين والسوريين الذين يعانون ويتألمون سوى أن يروا في الفاتيكان وفي قداستكم انحيازاً، ولو ضمنياً، إلى قتلتهم ومهجّريهم والمنكّلين بهم.

أما بعد..على طريقة أسقف نجران قِس بن ساعدة..لم يجف حبر اجتماعكم في باري ، جنوب إيطاليا، مع بطاركة الشرق الأنطاكيين وغير الأنطاكيين، وبحضور البطريرك القسطنطيني برثلماوس والمطران الموسكوبي هيلاريون،حيث رشح قولكم في الاجتماع إن “الشرق الأوسط بات مكاناً يرحل فيه الناس عن أرضهم، وهناك خطر تلاشي وجود أخوتنا وأخواتنا في الإيمان، ما سيؤدي إلى تشويه وجه المنطقة، لأن الشرق الاوسط من دون مسيحيين لن يعود هو نفسه”،وأضفتم “نريد أن نكون صوتاً لمن لا صوت لهم، وللذين يحبسون دموعهم، لأن الشرق الاوسط يبكي اليوم، وللذين يعانون في صمت، بينما يدوسهم الساعون إلى السلطة والثروة”.

جميل هذا، رغم ضبابيته ،يا صاحب القداسة، فمن هو الذي يشكّل خطراُ على تلاشي المسيحيين وكيف يتمظهر هذا الخطر، لكنه مقبول أمام أقوالكم وتصريحاتكم العلنية الأخرى حيال ما يحصل في سوريا التي تجعلنا نقول لقداستكم: إننا نرى فيها صوتاً يميل نحو جهة واحدة ، وهي قطعاً غير جهة إخوتكم وأبنائكم المسيحيين، وإنها رؤى بعين واحدة، وأحياناً نحسبها تصريحات تصدرعن ساسة أمريكيين ، أو مبعوثين “أمميين”يدهنون الكلام ، ويقولون في الغرف المغلقة شيئاً، وعلى وسائل الإعلام عكسه .

قداسة البابا..بهي كلامكم العاطفي أمام رؤساء الكنائس المشرقية ” على علاّت بعضهم” ففيه من طرف اللسان حلاوة،ويسعدني أن أخبر قداستكم أن الحلاوة صناعة مشرقية صرف، وبالمناسبة تشتهر إدلب ببعض أنواعها. لقد تناولتم الوضع في سوريا سابقاً مرات عديدة في شقه السياسي ،وغضضنا الطرف عن تصريحات العين الواحدة ، ومنها وقت تحرير جوبر ودوما من الإرهابيين، عسى أن يكون ذلك زلة سكرتير أو مستشار أوصل الواقع لقداستكم مغلوطاً ، مع أنه عندما كانت مدينتان مسيحيتان على تخوم محافظة إدلب قاب قوسين أو أدنى من التهجير، لولا شجاعة أبنائهما والجيش السوري وحلفائه، وهما محردة والسقيلبية ، لم نسمعكم تخرجون إلى ساحة القديس بطرس ، مطالبين بوقف الصواريخ والسكاكين عن أخوتكم فيهما، ولذلك نرى أنه من مبدأ الشهادة للحق الذي يحررنا جميعاً، أنه من غير الممكن أن نغض الطرف عن تصريحكم الأخير الاستباقي في عظة الأحد عن إدلب حين قلتم :”رياح الحرب تهب ونسمع أنباء مقلقة عن خطر وقوع كارثة إنسانية في سوريا، في محافظة إدلب..أجدد مناشدتي الحارة للمجتمع الدولي وكل الأطراف الفاعلة للجوء إلى الوسائل الدبلوماسية والحوار والتفاوض لضمان احترام حقوق الإنسان الدولية وحماية أرواح المدنيين”.

جميلة هذه الروح الإنسانية يا صاحب القداسة ، وهي غير غريبة عن ورثة هامة الرسل،وأي سوري لا يسعى إلى حماية أرواح المدنيين، فهؤلاء لا حول لهم ولا قوة، لكن بعضهم رهائن بيد الإرهابيين ، والبعض الآخر ممن يوالونهم في الرأي والعمل. لكن تحت يافطة ” ضمان احترام حقوق الإنسان الدولية وحماية أرواح المدنيين ” التي أطلقتموها، وهي محقة، نجد إدراكاً مجتزءاً لما حصل ويحصل في إدلب تحديداً، فمن الذي ينقل إليكم الأنباء المقلقة، وأين انتهاك حقوق الإنسان في تحرير أرض محتلة باتت تغص بعشرات آلاف الإرهابيين،؟، وهذا يتساوق ، ويا للأسى والأسف ، مع ما تقوله وتفعله الإدارة الأمريكية والنظام التركي في محاولة حماية ( جبهة النصرة) ، وهي فرع مصنّف أممياً بأنه من تنظيم القاعدة الإرهابي ، والسيد ديمستورا يعترف بأن عددهم في إدلب 10 آلاف إرهابي مع عائلاتهم، فيما تقدرهم مصادر محلية بـ 40 ألفاً ، أما ” فيلق الشام ” التابع للأخوان المسلمين فيقدر عدده بـ 18 ألف مسلح فقط، فيما يقدر عديد “جيش الإسلام” الإرهابي بـ 20 ألفاً إضافة إلى عشرات التنظيمات من شيشان وتركستان وأوزبك ودواعش وأقوام لا حصر لها يتخذون من المدنيين دروعاً بشرية، وبالمناسبة بينهم خاطف راهبات معلولا (جبهة النصرة) وخاطفوا المطرانين يوحنا إبراهيم وبولس اليازجي من جماعة نور الدين زنكي، ويقدر عددهم بـ 1000 إرهابي، الذين نعلم أنكم تحاولون مشكورين معرفة مصيرهما، إضافة إلى حشد أممي من القتلة والذباحين، الذين وصلت لمساعديكم أفلام عن “إنسانيتهم” في قطع الرؤوس وشق الصدور ، ربما لم تقدروا قداستكم على رؤيتها، بما يعني في المحصلة حماية القتلة بذرائع إنسانية، هذا من دون أن تسألوا الدولة السورية والروسية عن خطتهما حيال المدنيين السوريين، الذين يجدون الممرات الآمنة مفتوحة أمامهم ليكونوا تحت حماية دولتهم.

كما أن قداستكم لم تشيروا إلى القتلة المحليين والمتعددي الجنسيات من أصحاب الشعور الطويلة والسراويل القصيرة الذين “يعيثون حباً وحرية وإنسانية” بين الآثار المسيحية في إدلب، ولم تسألوا السوريين والمشرقين عن رأيهم بخطة تحرير هذه المنطقة العزيزة على قلوبنا، لسوريتها أولاً ، ولأنها كانت المنطقة المسيحية الأهم في العالم القديم ، إنها ، وكما حاولنا أن نخبر الإدارة الفاتيكانية العزيزة، مهد للمسيحية فيما يسمى “المدن الميتة”، والتي باتت ميتة بفضل “إنسانية وديمقراطية” هؤلاء وأمثالهم من الذين أبديتم الخوف عليهم،وهم يتلطون بثياب المدنيين، فيما نرى نحن أهل هذه البلاد أن الخوف واجب وحق على من سيكونون ضحايا هؤلاء إن انتصروا ، وهذا ما أخبركم به بعض البطاركة ، هؤلاء الباقون الصامدون في أرضهم ، الذين سيساقون إلى الذبح كمن سبقوهم، إن انتصر عشرات آلاف الإرهابيين الموجودين على أرض إدلب ، ولن ينال من يقتل أو يبقى منهم ، من “العالم المتمدن” وقادته الزمنيين والروحيين سوى صلاة عابرة، مثل التي نالها أجدادهم عندما ذبحهم السلاجقة والترك.

هل تعلمون يا قداسة البابا، وأنتم الخائفون على الوجود المسيحي في المشرق ماذا حصل لمسيحيي إدلب ؟، هل أخبروكم عن حال مسيحيي جسر الشغور والغسانية واليعقوبية والقنية والجديدة وحلوز، الذين رفضوا أن يكونوا ذميين ويدفعوا الجزية ، وأين هم الآن ؟..نعم ، إن لكم عيوناً هناك، وفي الفاتيكان أقدم وأقدر جهاز استخبارات في التاريخ، وهذا يعني، أنه كان يتوجب عليهم إخبار قداستكم عن الذباحين وخاطفي الكهنة والأساقفة وعن الذي حلّ بأهل هذه البلدات والقرى.

هل تعلمون يا قداسة البابا ماذا حل بالإرث المسيحي المشرقي الإنساني في كنائس قلب لوزة وكركبيزة وجرادة ورويحة وعلاّتا وبحيو والحورته والدوير وأفاميا وبالكنائس التي بناها مرقيانوس كيريس في دارقيتا وكسيجة وغيرها وأديرة وكنائس سهل الدانا وجبل باريشا والأعلى والوسطاني ومئات المواقع التي تعد مهداً للمسيحية الأولى؟..ألم يرفع لكم يا صاحب القداسة نيافة السفير في دمشق تقريراً عما حلّ بكنيسة سمعان العمودي وبعموده ، أو يخبركم البطريرك الراعي عن مصير ناووس مار مارون في براد، وبلدة مار يوحنا مارون في سرمانيه ؟.

أسمحوا لي ، يا صاحب القداسة، وأنا الصغير بين المؤرخين أن أوشوشكم بأن في إدلب أكبر خرائب أثرية مسيحية في العالم،جار عليها الزمان الوغد، وبعد هذه الحرب هجّر من القرى الباقية كل من نجا سابقاً، وأن مجاميع تنظيم القاعدة وأخواتها، ممن أبديتم الخوف على ما يمكن أن يحصل لهم من كارثة إنسانية إذا تم تحرير إدلب ، حولوها إلى أرض يباب ، ولم يستثنوا أهالي كفريا والفوعة من حقدهم القاتل، ونبشوا الأوابد الأثرية وحطموا الكثير مما لا يمكن سرقته بجرافاتهم ، وسرقوا متحف إدلب بكنوزه ومنها رقيمات مدينة إيبلا ومتحف معرة النعمان بفسيفساءاته ونواويسه المسيحية ومتحف أفاميا، وباعوها في اسطنبول وعلى قارعة لصوص الآثار في العالم ، وتركوا ما بقي عارياً كمستودعات لغنائمهم وزرائب لحيوانتهم .

للأسف يا قداسة البابا، لم نسمع طيلة السنوات الثماني الماضية سوى كلام معسول عن الوجود المسيحي في المشرق وشفقة وتضامن عند الحد الأدنى وأطنان كثيرة من العواطف الشفهية، لكن كلما دقَّ ناقوس ساحة القديس بطرس تخرجون قداستكم علينا، وتحت بند الإنسانية ، ونحن بالمناسبة لسنا برابرة من الفضاء الخارجي، لتتكلموا عن الطرف القاتل للأرض والتاريخ السوري وللحضور المسيحي، وتتناسون تماماً الطرف الحاضن لكل شعبه، وبينهم المسيحيون ، وتمرون عابرين عما يقوله بطاركة وعلمانيون مشرقيون لكم من أنهم مع الدولة والعلمانية لأنها تحميهم كمواطنين ، ولأنها تحفظ حقوقهم، ولا ملاذ لهم إلاّها. يا صاحب القداسة، هل تساءلتم ومستشاريكم عن سبب تبخر المسيحيين وكنائسهم وبيوتهم وأرزاقهم من مناطق سيطرة المعارضات المسلحة وقوى الإرهاب ، أرجوكم تساءلوا يا قداسة البابا لأن السؤال ليس عيباً.

لقد كنت في اجتماع مطوّل، منذ فترة وجيزة ، حول وضع مسيحيي المشرق مع أحد أركان دولتكم التي نقدر ووضعنا الخارطة أمامنا، وكان حديث لساعات آمل أن تنظر قداستكم لخلاصاته بعين الاعتبار، على اعتبار أنني ومنذ بداية المحنة المشرقية أتابع وضع المسيحيين في بلداتهم وقراهم ومدنهم.
قداسة الحبر الأعظم ، توقعنا نحن المشرقيين بعد اجتماع باري أن يتغير الحال، رغم أننا نعرف من سكت من البطاركة ومن حكى وماذا حكى، ومن كان همّه اللاجىء السوري في لبنان ومن كان همّه وجود سوريا ومسيحييها في المستقبل ،لكن هذا شأن آخر.وهنا إسمح لي يا صاحب القداسة أن أرفع يدي وقلبي بالسلام إلى صاحب القداسة مار أفرام كريم على كلمته الباهرة هناك وعلى روحه الوطنية السورية والإنسانية العظيمة ، وهي كلمة تاريخية لا تحابي أحداً ، والذي قال بعد الاجتماع “بصفتنا مسيحيين، لدينا شعور بانه تم التخلي عنا..برامج المساعدات الحكومية الدولية لا تصلنا. وبدلاً من مساعدتنا، نتعرض للاتهام بأننا من أتباع النظام”معرباً عن أسفه لمواقف الفاتيكان حين قال “يبدو أنه ينتقد طرفاً واحداً فقط”.

نعم يا قداسة البابا، أنتم تنتقدون طرفاً واحداً لجأ إليه المسيحيون من القتل والذبح والتهجير الداخلي، فاسمحوا لنا أن نقول لكم، بأن تطلبوا من مساعديكم متابعة ردود أفعال المسيحيين والمسلمين على تصريحاتكم ومستوى الاستياء،واسمحوا لنا بأن نقول لقداستكم إننا لن نيأس، وسوف نتجاوز هذه التجربة، وإن أهل هذه المنطقة سيتدبرون أمورهم بشجاعة وبأس السيد المسيح عندما نزل إلى الهيكل وطهره من اللصوص وأولاد الأفاعي ، وهم يعرفون أين يُصَلُّون وعلى أي مذبح يقدمون قرابينهم.

واسمحوا لي يا صاحب القداسة، وأنا الذي نشأ في عائلة كاثوليكية ، أن أخاطب البطريرك السرياني السوري الأنطاكي المشرقي مار أفرام الثاني كريم ، الذي ما فتىء يصارحكم بأوضاع مسيحيي المشرق ، وأقول له :إقبلني أخاً صغيراً في سريانيتك السورية المشرقية يحمل معك هذا الإرث العظيم ويدافع عنه وعن وجوده في المشرق …

قداسة البابا فرنسيس الآتي من تراث القديس فرنسيس الأسيزي ولاهوت التحرير، نأمل أن تكونوا صوتنا الذي يحاول أصحاب الأصوات المنكرة خنقه، ونؤكد لقداستكم أننا سنبقى هنا نقرع أجراس الجليلي ونربّعها على طريقتنا حتى قيام الساعة ، وإن قيامة سوريا والمشرق آتية مثل قيامة الذي علّق على خشبة .
تحيا بلادنا العظيمة بأهلها وجيشها ومقاوميها وقديسيها وشهدائها وجرحاها و..ستحيا.
بكل احترام

تعليقات
Loading...