fbpx

بقعة ضوء خافتة في سنوات ما قبل الحرب: جمعيات «مدنية» ولكن!

0

قلما يمكن الحديث عن «المجتمع المدني» في سورية من دون أن تبدو اللوحة حالكة الظلمة. فالواقع كذلك من الجوانب جميعها: القوانين، المنظمات، الوعي العام، وموقف السلطة.

 مع ذلك، شهد العقد الماضي (2001 – 2010) حالاً مختلفةً عما سبقها، أرجعها البعض إلى تبوء شاب السلطة حاملاً معه الأفكار العصرية عن المجتمع وعلاقته مع السلطة، وأرجعها آخرون إلى ضعف طارئ في السلطة نفسها ناجم عن عوامل عدة.

 بعيداً عن الأسباب التي تقع في مجال آخر، فإن الواقع أن العديد من المنظمات انطلقت خلال العقد المذكور تحمل عناصر مدنية مهمة. فعلى مستويين متوازيين، نشطت منظمات جديدة (أو من جديد) بأهداف مدنية وبعض من الرؤية المدنية للمجتمع. مستوى على هامش القانون، لم يحظ بفرصة أن يكون «قانونياً»، وحورب بدرجات مختلفة من «الأجهزة المختصة» التي رأت سلطتها على المجتمع تتراجع، ومستوى «قانوني» لكنه استمد قانونيته من رغبة السلطة بوجوده، أو أشخاص مهمين على الأقل، خاصة السيدة الأولى أسماء الأسد التي كسرت التقليد التاريخي في سورية بأن تكون السيدة الأولى «في الظل»، فانطلقت حاملة معها مشاريع كثيرة شكلت فرصة للمتسلقين والنهابين، لكنها أيضاً قدّمت عملاً مهماً ووضعت بذوراً أكثر أهمية.

 في المستوى الأول ظهرت أكثر من 35 منظمة مختلفة، أغلبها كان يتكنى بـ «حقوق الإنسان» واتّخذ طابعاً سياسياً إلى حد بعيد، لكنه مع ذلك ترك أثراً وقتها بجذب فئة من الشباب إلى الاهتمام بأمرين: الأول هو «حقوق الإنسان» بحد ذاتها كأمر مهم في حياة أي مجتمع، والثاني هو أهمية العمل التنظيمي حين يريد الناس أن يحققوا أمراً ما في حياتهم.

 هذه الفئة من المنظمات تراجع أثرها بشدة في أواخر العقد، بعد تكشف أن الكثير منها ليس إلا صنيعة «الأجهزة المختصة»، كما أن النزعة الساحقة لدى منشئيها لانتهاز الفرصة من أجل المال، والسفر الناجم عن علاقاتها مع منظمات خارجية أبعدت الكثيرين عنها. فانتهى العقد بتحول هذه الفئة إلى «شلل» شخصية أو عائلية.

 الفئة الثانية هي التي اهتمت بحقوق النساء، منها مرصد نساء سورية ورابطة النساء السوريات وجمعية المبادرة الاجتماعية، وتمكّن بعضها من لفت انتباه فئات واسعة من المجتمع، وتحريك قضايا أساسية في حياتهم كانت مخفية أو مسكوت عنها، مثل الحملة الشهيرة التي أطلقها مرصد نساء سورية ضد جرائم قتل النساء باسم الشرف.

لكن هذه أيضاً عانت من مشاكل كثيرة، فالعديد من «الناشطات» في المجال حولن العمل إلى «تجارة شنطة» هدفها الأساسي الحصول على مكاسب شخصية، فيما فشلت جميعها في تكريس «أساس» تنظيمي صحيح يكون مستنداً أو مرجعاً لكيفية التنظيم المدني.

 أما على المستوى الثاني، فيمكن إرجاعها كلياً إلى مبادرات ورعاية السيدة الأولى، مبادرات لم تخلو من الصدام مع «حراس السلطة»، إلى حد تمكّن هؤلاء الحراس من إجبارها على التراجع لبعض الوقت في منتصف العقد.

 أهم هذه المنظمات كانت الأمانة السورية للتنمية، والدائرة المحيطة بها من مشاريع للشباب والأطفال. وتمكنت هذه المنظمة من تحقيق أمرين مهمين:

الأول أنها، في المستوى الثاني من كوادرها، تمكنت من خلق نوع جديد من العلاقات المدنية بينهم، إذ، للمرة الأولى، تقوم منظمة «رسمية» ولا تخضع لانتهازية السلطة، وتعتمد الكفاءة في العمل، وتدير المنظمة آلية ناجحة لتطوير مهارات الكادر.

قلنا المستوى الثاني من كوادرها لأن المستوى الأول، «الظاهر» منه و»المخفي»، كان قادراً كالعادة على استغلال المنظمة لمصالحه الشخصية بشكل مباشر أو غير مباشر.

 كذلك تمكنت بعض المنظمات في مجالات مختلفة من إيجاد مكان لها، كتلك التي تهتم بالبيئة، والتنمية الاجتماعية، وبعض أوجه الثقافة. فرغم قصورها جميعاً في أوجه مختلفة، شكلت خطوة إلى الأمام بعد عقود من «الظلام» المطبق منذ فرض حالة الطوارئ في 1963، وخاصة منذ صراع الثمانينيات الذي شنه «الأخوان المسلمون» للسيطرة على السلطة وإقامة «دولة دينية» طائفية.

 بقعة الضوء الخافتة تلك التي بدأت مع «ربيع دمشق»، ومشت خلال السنوات اللاحقة، سرعان ما جاءت حرب الإسلام السياسي لتدمير سورية وتحويلها إلى «حظيرة دينية» خاضعة كلياً للمشروع الغربي الاستعماري، فأدت إلى كوارث متعددة المستويات، بينها انجراف الكثيرين من نشطاء المجتمع المدني إلى صف «ثورة الأخونج» بحجة «الشعب يريد»، فيما اضطر آخرون إلى الصمت بسبب تعقد الأوضاع واختلاف الأولويات، وظهور جمعيات على شكل فطر سرطاني سريع الانتشار حظي برعاية مطلقة من الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وطبعاً رعاية «الجهات المختصة»، هي تلك «المبادرات» التي استخدمت الحرب وتبعاتها لتبني «عصابات» بالمعنى الدقيق للكلمة، تنهب وتبتز وتتسلق على أكتاف الناس، خاصة الجيش وجنوده الأبطال الذين جرحتهم الحرب أو أعاقتهم.

لكنها، مع ذلك، بقعة ضوء جديرة بالكثير من الدراسة، وليس بمرور سريع كما هو الحال الآن، لكي يتم استخلاص دروس كثيرة صالحة لتستفيد منها سورية في عهدها الجديد المأمول، بعد أن تضع الحرب أوزارها: سورية مدنية وديموقراطية يمكن للسوريين والسوريات فيها أن يكبروا ويعيشوا ويعملوا ويشاركوا على قدم المساواة الحقيقية.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...