fbpx

عندما يتحول الرأي الثالث إلى «تهمة»!

0
الرماديون… سلبية وهروب ولا مبالاة أم رفض للاستقطاب الحاد وتنبؤ بمآلات كارثية؟

ترددت في سورية مقولة «الرماديون» في دلالة على شريحة واسعة – كما يبدو – من السوريين الذين قرروا الوقوف في موقف الوسط بين طرفي الأزمة «النظام والمعارضة»، هم وصفوا أنفسهم بأنهم أصحاب «الرأي الثالث» الذي نظر إلى الأزمة التي ألمّت بالبلاد من زاوية نظر أخرى لا تشبه الزاوية التي نظر من خلالها الطرفان الأساسيان «المتحاربان»، يدافعون عن «موقفهم» بالمثل القائل: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة» ففضلوا الصمت على الانخراط في (مستنقع) الأزمة الذي أغرق كثيرين في وحوله، لكن صمتهم – كما يؤكدون – ليس الصمت المتواطئ أو المتربّص على «رأس التلة»، والذي ينتظر الفريق الفائز ليصفق له، إنه ذلك النوع من الصمت المبني على رفض الخيارين اللذين «حُشر» في أتونهما معظم السوريين، والبحث عن خيار آخر أكثر تعقلاً ورأفةً بالبلاد والعباد… على الأقل هذا ما يقوله الرماديون عن أنفسهم، لكنه ليس تماما ما يراه الآخرون!

خانة «اليك»

«الرمادي» يكون غالباً خليطاً بين الوضوح والقطعية، مثلا مَن يدعم «النظام» قلباً وقالباً ولكنه لا يرضى عن فساد مؤسّسات الدولة فهو رماديٌّ من وجهة نظر المتعصبين لطرف «النظام»، الذين لا يجدون فيه أية عيوب أو نواقص!

بالمقابل، من لا يدعم الهيجان المسلّح لأجل إسقاط «النظام» ولا يرضى عن ممارسات الإرهاب المتمثّلة بـ»الحر والنصرة وداعش» وخاصّة أولئك الذين يدعمون «الحر» الذي ارتكب أفراده أشنع الجرائم منذ بداية الأزمة تماماً كـ «النصرة وداعش»… هم رماديون أيضاً من وجهة نظر الطرف الآخر، الذي غإلى فيما يريد حتى استبدل «تغيير النظام» بـ «إسقاط النظام»، بينما قادت أفعاله المتطرفة إلى محاولة إسقاط الدولة من حيث يدري أو لا، ومن لا يوافقه فهو «رمادي»! ووسط هذا الانقسام بين فريق يرى أن الرماديين كانوا بموقف واعٍ، وفريق آخر يرى بهم أنهم «متلونون»، وشاربو القهوتين «نعرض مجموعة من الآراء» حول «الرمادية» و»الرماديون».

درويش: مواقف انتهازية منافقة

يقول السفير السوري السابق في مصر الدكتور عيسى درويش: «فتشت عن المصطلح في المعاجم اللغوية والسياسية فلم أجده في المصطلحات العربية أو الأجنبية، لكنني سمعت هذا الاصطلاح متداولا في المجتمع السوري بعد الأزمة، وربما انتقل من أقطار عربية أخرى بعد ما يسمى الربيع العربي» ويضيف: «كنت أسمع مثل هذا التعبير للدلالة على موقف غير واضح من قضية ما، فيقال موقف غائم أو رمادي وخاصة بين المثقفين الذين يغيرون جلودهم حسب المواسم، وينتظرون رجحان الموقف للاصطفاف مع هذا أوذاك، وهي بطبيعة الحال مواقف انتهازية وضعف إيمان عقائدي، ورأينا ذلك في الأحزاب والحركات عامة، وخاصة اليسارية والدينية منها، لأن الانتهازية تعشعش في هذه الأوساط وتكثر مواقفها الرمادية غير الواضحة، والانتهازية المنافقة».

ويختم السفير درويش بالقول: «كثرت هذه الفئات والنماذج في مجتمعاتنا، وهي ترغب في التسلق والتسلل واقتناص الفرص، وعلاجها يكون بفضحها وكشف نواياها وامتحان إيمانها، وقطع الطريق عليها للوصول إلى مراكز القرار، وخصوصا من باعوا مواقفهم الوطنية أو عقيدتهم السياسية بالمال والمغريات اللاأخلاقية.

بلال: موقف عقلاني

من جانبه يرى مازن بلال – كاتب سوري «رمادي» – أن الرمادية ليست سلبية وإنما موقف واع، فالمسألة هي طيف من المواقف خارج الاستقطاب الموجود، فالرمادية تعبير مجازي وليس لا مبالاة، بل محاولة عقلانية لتفكيك الصراع الذي ظهر منذ البداية وكأنه صراع على خير مطلق أو شر مطلق.

يضيف: «ربما علينا أن نميز بين أغلبية لا تريد سوى العودة للاستقرار، وبين ما أطلق عليهم بـ (الرماديين)، فهؤلاء كان لهم مواقف مستقلة ولا يجمعهم رابط، ويعبرون عن محاولة استقلال بالرأي، وتم تجاهلهم في كل المحطات السياسية لأن الصراع لم يكن يرى سوى الحدة في المواقف، فحالة الرمادية تنقل استقلالية وليست حيادية أو سلبية»، أي كما يؤكد بلال «موقف عقلاني ولكنها، مع الأسف، لم ترقَ إلى تيار».

حسن: حريصون على جوهر البلد

وفي مقاربة ليست بعيدة يرى الدكتور أديب حسن بأن أصحاب هذا اللون ارتضوا وآمنوا به انطلاقا من مصلحة وطنية، لكن الدعم الدولي لطرفي الاستقطاب أدى إلى تلاشي دورهم. ويقول حسن: «بما أن اللون الرمادي هو مزيج اللونين الأبيض والأسود، فقد أخذ من خصائص كل منهما ما شاء؛ الرمادية كموقف في الحالة السورية، تعني التوسط بين حالتين استقطبتا السواد الأعظم من السوريين. كان يمكن للحالة الرمادية أن تنهض وتستمر ويكون لها الحضور الأقوى لولا فقدان الجهات الداعمة، التي حرصت على دعم القطبين الحادين كون كل منهما يمثل الحليف المستقبلي لتلك الجهات على اختلافها، أما معظم الرماديين فقد كانوا غير مقبولين بسبب حرصهم على جوهر البلد، وتعويلهم على حالة وطنية ستجمع يوما مختلف فرقاء المشهد السوري المعقد، وهذا يفسر تلاشي تلك الأصوات وغيابها كفاعل مؤثر حقيقي.»

درار: ماذا يفعل من يختلف مع الطرفين؟

من جانبه الرئيس المشترك لـ «مجلس سورية الديمقراطية»رياض درار تساءل هل نلوم الرماديين؟ أجاب: «لا أستطيع التفصيل في هذه الشخصيات الرمادية، فهي مزيج من الأبيض والأسود وتعطي لونا فيه ملامح ايجابية من جهة الألوان، لكن السلبية تلحقها حين يصنف بها الإنسان، مع أنه بنظرة موضوعية نجد أن إمكانية الجمع بين متناقضين والتقريب بينهما هي سمة غير ملامة، فالحياة ليست مجرد الأسود والأبيض، ولكن تهمة الرمادية التي لا تحدد موقفا ولا تبدي رأيا، هي صفة بعض الناس تفرضها وظائفهم وأعمالهم وأدوارهم، وهو الحياد، وليس عدم المبالاة وعدم الاهتمام مما يحصل في المحيط.»

أضاف درار:» قد يبتعد شخص عن مسائل يراها من المهالك له ولغيره، وهذا ليس من الرمادية فمن لا يعرف قراءة الأمر الواقع، ولا يكون معنيا بالإجابة عليه، لا يتدخل حتى لا يخرّب المسارات وليس بالضرورة أن يكون خاضعا لعامل الخوف أو الترهيب إنما هو حذر من لا يلعب بالنار حتى لا يحرق أصابعه… وأخيرا فالمسألة ليست دائما سياسية حتى يحدد الشخص موقفه فيكون وطنيا أو خائنا. لأن الوطني هو من يعرف حاجة الوطن إلى عمله فيلتزم به، ولا يشغل الآخرين بموقفه. الرمادي عامل أمان أحيانا لأنه يخفف الاحتقان بين الألوان المتضادة والمتشابكة دائما.»

وفيما خص الوضع في سورية، وتصنيف البعض أن الرمادي اتهام اللاموقف، قال: «علينا أن نسأل ماذا فعل أهل المواقف؟! ففي سورية خراب كبير قادت إليه المواقف المتطرفة، حتى «الثورة» البريئة قادها التهور إلى الانحراف، وامتدت إليها أذرع اخطبوطية من كل الجهات، تستنزفها وتسحبها إلى مواقع أفسدتها، وقادتها إلى الانهيار، وهنا نسجل اللوم على أصحاب المواقف الثأرية الذين لم يروا مستقبل البلد إلا من خلال انتقامهم أو مصلحتهم. ولم يروا مصالح الناس فاشتركوا مع النظام باعتبارهم الجمهور تبعاً لهم، أو خصماً يقف مع عدوهم، أو متهماً بالرمادية. وهؤلاء لم يفكروا بالسياسة إلا أنها استتباع لهم وتجييش وحرب ضد منافسيهم، فنزلوا إلى ملعب النظام. وبينهم الهلاميون قناصو الفرص الذين استغلوا التيه الذي وضعوا فيه، فركبوا الموجة وتسيدوا القرار، وصاروا يرسمون السياسات. ومنهم من كان من جلدة النظام خلعها، وبقيت ممارساته بنفس المواصفات، فقط نقلوا البندقية من كتف إلى آخر، ويمكنهم في لحظة أن يلقوها أو يعيدوها إلى ما كانت عليه، وحين نقول إن النظام لم يكن فاضلا، فهم أيضا تلاعبوا بالمشاعر وجعلوا الناس يسيرون وراء الوهم. وماذا يفعل من لا يعجبه كلا الطرفين، وبأي حق نتهمه بالرمادية؟!

وفي حالة الإنصاف، من يتهم الناس في مواقفهم عليه أن يدرك أنه ليس لدى الجميع القدرة على الحسم في جميع المواقف، وأن البعض يخشى على مصالحه، والبعض على حياته وعلى عائلته وعلى ممتلكاته وأمواله. وهذه فئة موجودة دائما، لكن بالتأكيد تهون التضحيات عندما تكون هناك مبررات لها، وحين يكون القادة ممثلين للناس حقا بمقداميتهم وتضحياتهم وأريحيتهم، أما حين تكون ارتباطاتهم بالخارج، وأولادهم وأموالهم في الأمان، فلا عتب على الرمادية ولا لوم.

ويتابع درار: «الرماديون ليسوا شيطانا أخرس، لأنهم حين تطلب الأمر التعبير وقفوا في الشوارع يهتفون بالملايين يتحملون النتائج، لكنهم لم يجدوا من يوصلهم إلى بر الأمان. فكلما قصرنا في أدائنا، كنا المسؤولين عن حياد الناس بسبب أخطائنا. واعتبر درار أن «الرمادية في السياسة مطلوبة أحيانا لأنك تستطيع أن تختبر المسارات قبل أن تسير فيها».

ولكن كيف يرى المعارضون الرماديين؟

هم «منافقون»، «شرَّابو القهوتين»… بل أكثر… فهم أيضا أشخاص بلا مبدأ يعيشون ليأكلوا ويشربوا ويناموا ويشتهرون بعبارة «كنا عايشين» «والله يلعن يلي كان السبب» وإذا ناقشوا يتضرعون «الله ينصر الحق»!!

الأتاسي: من لا رأي محدد له

ويختصر منصور الأتاسي المعارض السوري والأمين العام لحزب اليسار الديمقراطي السوري، والمقيم حالياً في تركيا، قصة الرماديين بقوله: «الرمادي هو الذي لا يأخذ موقفا محددا، وليس محدد الرأي، ينتظر لمن ترجح له الكفة كيلا يتناقض معه، وبالمعنى الفني من لا لون له أو بين الأبيض والأسود.»

القنطار: شريحة لا مبالية

لكن د. فايز قنطار الأكاديمي السوري المقيم في باريس يذهب باتجاه التوسع قليلا فيقول: «الرمادي والرماديون كائنات عاقلة غير إنسانية، توجد في الفضاء أو في باطن الأرض، سميت كذلك استنادا إلى لونها الرمادي الذي سرعان ما يتحول إلى أي لون آخر، تفتقر إلى المشاعر الإنسانية وإلى الشعور بشعور الآخر. هذا مصطلح من المصطلحات التي شاع استخدامها في سورية خلال السنوات الماضية، التي أبدعت فيما أبدعت، مجموعة من المصطلحات التي تعبر تعبيرا واضحا عن واقعها. استخدم هذا المصطلح للإشارة إلى تلك الشريحة من المجتمع التي لم تعبر عن تعاطفها مع ضحايا العنف، بالرغم من عدم موالاتها للنظام، ويمكن تفسير هذه الظاهرة كنتيجة لـ (مرحلة طويلة من الاستبداد والكبت وقمع كل أشكال التعبير)، فالرعب الذي عاشه المجتمع، دفع شريحة الرماديين إلى التبلد العاطفي والانفصال عن الواقع وعدم المبالاة بما يدور من حولها، مع الاستعداد لتحول اللون حسب ما يستجد من ظروف ومتغيرات.»

باختصار

قسم غير قليل من السوريين، اختار ألا يميل بالمطلق إلى أي من طرفي الأزمة، بعضهم كان مدفوعاً بالخوف، والبعض الآخر باعتزال الفتنة، وأكثرهم بمعرفة المآلات التي ستؤدي إليها كلا خيارات الطرفين، ومن هنا لا يمكن وسم هذه المواقف بالجبن وعدم اللامبالاة ، فلا يمكن لعاقل كما يقول الرماديون أن يرمي نفسه في التهلكة، وهو مدرك ومتيقن أن الآخرين يسرقون أحلامه ويقذفون بمبادئه. نعم هم يعترفون بأنهم رماديون، فالحياة متنوعة وفيها ألوان كثيرة، وهم مثل غيرهم لم يسلموا من ويلات الحرب وبئس الحياة، لكنهم على مواقفهم أكثر من السابق. لكن الأهم من كل ذلك أن «الرمادية» لم تُخلق من رحم الأزمة، فهذه مشكلة متأصلة وتعود إلى ظروف عاشتها البلاد، وسط خوف وتضييق على الحريات. كلنا سوريون؛ رماديون، وموالون، ومعارضون. كلنا سوريون لأننا نحب أن نحيا حياتنا بأمل، وذلك لا يكون إلا بالعمل واحترام القانون، والإيمان بحق الجميع في العيش بكرامة بجو من التعددية والتسامح,

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...