fbpx

إنهاء تدريجي لفوضى الفصائل و«تصفية» متزعميها..

0

تتريك الشمال السوري يدخل مرحلة جـديدة: تنظيم الاحتلال ومأسسته!
بهدوء، وبعيداً عن كاميرات وسائل الإعلام، وأقلام الكتاب المنشغلين بالمعارك والمفاوضات السياسية، تتابع أنقرة عمليات «تتريك» الشمال السوري بشتى الوسائل عن طريق مؤسسات ومنظمات خلقتها لتجذير الحضور التركي والعمل على إنهاء الانتماء السوري في تلك الأرض السورية، وزرع الانتماء لتركيا وتنميته، ليغدو الشمال السوري جزءا من تركيا، يرفع فيه العلم التركي، وتتصدر جدرانه صور أردوغان!

تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل «درع الفرات» التابعة لتركيا في سورية عمليات تصفية متتالية لرؤوس الفصائل المسلحة الناشطة في تلك المناطق عن طريق وسائل عدة، بعضها من بوابة الفضائح، وبعضها الآخر بقوة السلاح تمهيداً لوضع اللمسات الأخيرة للمشهد الميداني في تلك المناطق.

قبل مدة اقتحمت مدرعات تركية مدينة اعزاز الواقعة شمال حلب والحدودية مع تركيا، وحاصرت مقر «قائد شرطة المنطقة» المدعو «حجي حريتان» (أحمد زيدان) وقامت بخلعه من منصبه بالقوة، بعد أن رفض الامتثال لأوامر الجيش التركي بترك منصبه.

وقبل هذه الحادثة بأيام، أطلت امرأة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتسجيل مصور تتهم من خلاله قائد فصيل مسلح، كان زوجها يقاتل فيه، باغتصابها، الأمر الذي أثار «زوبعة» على مواقع التواصل لينتهي الأمر بإحالة المتهم قائد «لواء السلطان سليمان شاه» محمد الجاسم الملقب بـ «أبو عمشة» إلى التحقيق، وسط أنباء عن ثبوت التهمة عليه والاستعداد لمحاكمته غيابياً كونه خارج سورية في الوقت الحالي.

كذلك، بدأت الاستخبارات التركية حملة ضد المسلحين، وقادة الفصائل الذين مارسوا انتهاكات خلال الفترة الماضية سواء ممن نفذوا عمليات سرقة، أو قاموا بخطف مواطنين وطلبوا فدية لإطلاق سراحهم، وسط ترحيب شعبي كبير بـ «المنقذ التركي» الذي كان يقود بنفسه تلك الفصائل خلال المعارك والعمليات، قبل أن يفسح لها المجال ويغض الطرف عن ممارستها لفترة تكفي لإعادة تلميع صورته!

بالتوازي مع ذلك، تعمل أنقرة على توحيد الفصائل المسلحة التي تأتمر بأمرها ضمن هيكلية مؤسساتية تابعة لها بالمطلق، بعيداً عن حالة «الميليشياوية» المتفشية في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، حيث قامت بتشكيل ما أطلقت عليه «الجيش الوطني»، وتقوم بسحب السلاح من الفصائل غير المنخرطة في هذا التشكيل بشكل متتال.

«الخليفة» اردوغان يرحب بكم… صفقوا له وإلّا!

الترحيب الشعبي الكبير الذي تلقاه السلطات التركية جرّاء حملتها تتزامن مع توسيع دور المؤسسات الحكومية التركية على الأرض في سورية، سواء المؤسسات التعليمية، أو الدوائر الخدمية، أو حتى المشاريع العمرانية السكنية والتجارية.

وأطلقت تركيا عشرات المشاريع في مناطق سيطرة «درع الفرات» أبرزها سوقين تجاريين كبيرين، ومدينة صناعية ومجمعات سكنية بالإضافة إلى عدة مراكز صحية ومبنيين للإدارة المحلية، ومبنى لفرع مؤسسة البريد التركية.

وعملت تركيا خلال الفترة الماضية على تقسيم منطقة سيطرة «درع الفرات» إلى 10 أقسام على شكل مجالس محلية تابعة إدارياً إلى ولايتي كلّس وغازي عنتاب، حيث يتبع القسم الشمالي الشرقي من ريف حلب لولاية غازي عنتاب، في حين يتبع ريف حلب الشمالي إدارياً لولاية كلّس. ويشرف على كل «مجلس محلي» منتدب تابع للوالي التركي، حيث يحكم هذه المناطق 10 منتدبين أتراك يحملون صفة «مساعد والي». وتصرف الحكومة التركية رواتب أعضاء هذه المجالس. وتتراوح الرواتب بين 500 و850 ليرة تركية (بين 35 و60 ألف ليرة سورية).

ومنعت تركيا جميع المنظمات الإنسانية العمل في منطقة «درع الفرات» وحصرت هذه الأعمال بـ»إدارة الطوارئ والكوارث التركية» (آفاد)، وقامت بطرد جميع المنظمات التي كانت تنشط في تلك المنطقة.

وترفع جميع المؤسسات العلم التركي، وتتصدرها صورة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي تمت تسمية شوارع ومجمعات عدة باسمه، وسط إجراءات مشددة ضد كل من يعترض.

مدينة الباب في ريف حلب شهدت الشهر الفائت «محاكمة» ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي بطلها طبيب سوري معارض يدعى محمود السايح، انتقد وعاتب قبل أشهر عدة الرئيس التركي على «مواقفه التي لا تدعم الثوار»، وذلك عبر «تغريدة» على موقع «تويتر»، ليتم القبض عليه خلال زيارة كان يقوم بها لأقاربه في مدينة الباب شرق حلب، والحكم عليه بالسجن ودفع غرامة قدرها 5 آلاف ليرة تركية (حوالي 350 ألف ليرة سورية) كتعويض لأردوغان الذي اعتبرته المحكمة «رئيس الأمة الإسلامية».

كذلك، ألقت الفصائل المسلحة القبض على «معارض» سوري من الغوطة هدد في تسجيل مصور ساخر أردوغان باقتحام بلدة الريحانية في حال سيطرة الجيش السوري على إدلب، وقامت بنقله إلى تركيا، حيث يخضع للتحقيق في سجون المخابرات التركية.

مدارس وجامعات تركيّة تمجّد «الخليفة»… وشهادات بلا «قيمة»!

تضم منطقة سيطرة تركيا في الشمال السوري (منطقة درع الفرات) نحو 500 مدرسة سورية يدرس فيها نحو 150ألف طالب وفق تقديرات الحكومة التركية. ودرس الطلاب في تلك المدارس مناهج أصدرتها «حكومة الائتلاف» المعارض، والتي تختلف بشكل جذري عن مناهج وزارة التربية في سورية، وبشكل خاص مواد الجغرافيا والتاريخ، والتربية الدينية واللغة العربية.

وتعتبر كتب «الائتلاف» الاحتلال التركي لسورية «فتحاً»، وتفرد في كتب التاريخ صفحات عدة للحديث عن مناقب السلاطنة العثمانيين. كذلك، تم فرض اللغة التركية ضمن المناهج التعليمية منذ المراحل العمرية الأولى، وتشرف وزارة التعليم التركية بشكل مباشر على المدارس. وأعلنت الحكومة التركية على لسان علي رضا ألتون، وهو مسؤول في وزارة التعليم التركية أن «الوزارة تعمل على نقل تجربة التعليم في تركيا إلى مناطق درع الفرات خلال فترة قصيرة».

وقامت الحكومة التركية بتغيير أسماء المدارس، حيث أطلقت أسماء مقاتلين وضباط أتراك قتلوا خلال المعارك في سورية على مدارس عدة. وترفع هذه المدارس العلم التركي وتتصدر جدرانها صورة الرئيس التركي أردوغان، كما تحمل «الجلاءات» المدرسية العلم التركي أيضاً.

وفي وقت لا تحمل فيه شهادات التعليم الثانوي في المدارس التي أنشأتها تركيا في مناطق «درع الفرات» أية صفة رسمية أو اعتراف دولي، تعترف تركيا بهذه الشهادات وتسمح لحامليها بإكمال تعليمهم في الجامعات التركية.

وقامت أنقرة مؤخراً بافتتاح فرعين لجامعتين تركيتين في الداخل السوري، حيث افتتحت جامعة حران فرعين لها في مدينتي الباب وعفرين. ويضم فرعا الجامعة التركية كليات الهندسة والعلوم، وكليات أدبية، كخطوة أولى على أن يتم افتتاح فروع أخرى كالطب والصيدلية خلال السنوات المقبلة.

ويدرس الطلاب في فرع الجامعة التركية في الباب المنهاج التركي نفسه المعتمد في الفرع الأصلي، ومقره ولاية شانلي أورفا، ويتطلب قبول الطلاب في هذه الجامعة النجاح في امتحان القبول المصمم للطلاب الأجانب (يوس)، ويتم تدريس المناهج باللغة التركية.

وفي مدينة جرابلس في ريف حلب الشمالي، افتتحت جامعة غازي عنتاب معهدا فنياً لتعليم المهن، تبلغ مدة الدراسة فيه عامين، كخطوة أولى لافتتاح فرع كامل للجامعة التركية في سورية.

كذلك، تضم المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا في الشمال السوري جامعتين أخريين هي «جامعة حلب الحرة»، التي أنشأتها «حكومة الائتلاف المعارض» والتي لا تحظى شهادتها بأي اعتراف دولي، رغم حصولها على دعم تركي وآخر من منظمة أمريكية، و»جامعة الشام العالمية» التي تم تأسيسها بدعم من هيئة الإغاثة التركية، وهي الأخرى لا تحظى شهادتها بأي اعتراف دولي.

وفي عفرين التي تسيطر عليها تركيا، أعلن مسؤولون أتراك عن إعادة افتتاح «جامعة عفرين» الكردية، التي أغلقت خلال الاجتياح التركي للمنطقة. وأعلنت الجامعة عن فتح باب التسجيل للطلاب السابقين في الجامعة، التي لا تتمتع هي الأخرى بأي اعتراف دولي، لإتمام المراحل الدراسية نفسها التي كانوا يشغلوها خلال فترة السيطرة الكردية، إلا أنها هذه المرة ستكون تحت إشراف والي «هاتاي» التركي، وبمناهج خاصة صادرة عن «الائتلاف» المعارض تحت إشراف تركي.

الزرع في تركيا… والحصاد في سورية

خلال سنوات الحرب السورية نشأ جيل سوري في مخيمات اللجوء التركية، جيل تم إعداده بشكل مدروس ليكون تركياً على الأرض السورية، بدءا من المناهج التعليمية، وانتهاء بتمييع مفهوم الوطن وترسيخ مفاهيم أخرى تتعلق بالولاء لتركيا. ومع السيطرة التركية على بعض مناطق الشمال السوري، بدأت أنقرة عمليات نقل مدروسة لعائلات سورية وإعادة توطينها في وطنها الأم سورية، ولكن تحت الراية التركية، لمتابعة المشروع الذي بدأ في تركيا.

وشهدت مناطق السيطرة التركية في الشمال السوري عمليات تغيير ديموغرافي تدريجي، حيث تم توطين آلاف التركمان الذين يدينون بالولاء لتركيا في مناطق كان يقطنها عرب، كما تعرضت المناطق الكردية لعمليات تهجير واستبدال بتركمان أو عرب موالون لتركيا.

«مساجد السلطان»: بالسلطة الدينية…»جيناكم»

 

إحكام السيطرة على المناطق وخلق تبعية مطلقة يحتاج إلى ما هو أكثر من سلاح واقتصاد، الأمر الذي تعرفه تركيا جيداً، ولأن الدين سلاح أثبت نجاعته على مر العصور، عملت أنقرة على تشديد قبضتها على السلطة الدينية، وتشعبت في تفاصيل الحياة الدينية اليومية في المناطق التي تسيطر عليها.

رئاسة الشؤون الدينية التركية نشرت تقريرا مفصلا عن أنشطتها في ريف حلب الشمالي ومنطقة عفرين خلال الأشهر الماضية، حيث أظهر التقرير نشاطاً أكبر من مجرد عمليات «دعم» أو إعادة بناء وإصلاح في تلك المناطق. وبحسب التقرير فإن رئاسة الشؤون الدينية رممت 108 مساجد في كل من جرابلس واعزاز والباب والراعي ومارع واحتيملات واخترين، بقيمة 750 مليون ليرة سورية. كما أنهت دراسة ترميم وتعديل 160 مسجدا في عدة قرى، بقيمة قد تصل إلى 375 مليون ليرة سورية، إضافة إلى بناء مقار الإفتاء في أعزاز والباب وجرابلس بقيمة 27 مليون ليرة سورية.

وأشار التقرير إلى أن عدد الموظفين الذين عينتهم تركيا في المنطقة منذ حزيران الماضي، حوالي ألف و472 موظفًا بينهم تسعة مفتين، وأربعة مدراء لدورات تعليم القرآن، و17 موظفا، و311 إماماً وخطيباً، و257 مؤذناً، و591 معلمة للقرآن، و291 معلم للقرآن. في حين بلغت قيمة تسديد رواتب الموظفين الدينين السوريين بين أيار 2017 وحزيران 2018 حوالي 400 مليون ليرة سورية. كما وزعت الرئاسة الدينية مئات آلاف النسخ من الكتب الدينية في المنطقة، إضافة إلى نسخ القرآن الكريم.

أما في عفرين، التي سيطرت عليها فصائل المعارضة المدعومة من تركيا، في آذار الماضي، فأنفقت رئاسة الشؤون حوالي 24 مليون ليرة سورية على ترميم ثلاثة مساجد، وتعيين أربعة مفتين.

ومع سيطرة تركيا على موارد الحياة والمشاريع الرئيسية في الشمال السوري، توفر مناخ ملائم لتنمية مشروع «التتريك» بشكل منظم وضمن إطار مؤسساتي واضح المعالم، يبدأ برغيف الخبز، وينتهي بالتعليم. وعلى الرغم من وضع اللغة التركية كلغة ثانية في المدارس في الوقت الحالي، إلا أن عمليات مدروسة تجري لنشر الثقافة التركية بكل جوانبها في المدرسة وخارج أسوارها، بشتى الطرق، ومنها تحويل إتقان اللغة التركية إلى ميزة تسهل الحياة على من يعيشون في تلك المناطق، كخطوة ستنتهي باعتماد اللغة التركية كلغة أساسية، إضافة إلى إحكام القبضة الدينية، الأمر الذي يرسم بمجمله صورة الاحتلال التركي بصيغته المؤسساتية التي تفوق مجرد سيطرة عسكرية على منطقة ما، وترسخ الاحتلال الذي ترغبه أنقرة.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...