fbpx

سأكتب الشعر للتاريخ يقرؤه.. الشام باقية والله حاميها … قلعة دمشق تاريخ مجيد وقصص بطولة سورية

0

كنا قد نشرنا في المقالات السابقة لمحةً موجزةً عن المعالم التاريخية في سورية، وتطرقنا للحديث عن القلاع والحصون كأحد المعالم الأثرية العديدة في سورية، وشاهداً حياً على صمود السوريين وشموخهم واستبسالهم في الدفاع عن أوطانهم وابتكارهم أساليب شتى وطرقاً مبتكرةً لتحقيق ذلك، ونهدف من خلال استعراضنا لذلك إلى مد جسور التواصل الحضاري والثقافي بين الماضي والحاضر والمستقبل، وكما ذكرنا سابقاً فإن أي أمة تعي حقيقة وجودها ورسالتها في الحياة يجب أن تحرص على أن تكتب تاريخها بأيدي أبنائها، ونؤكد في هذا المقال مجدداً أنه من واجبنا جميعاً مؤسسات رسمية وأفراداً أن نحرص على تنقية تاريخنا من أي شائبة وإزالة أي تهمة يحاول أعداؤنا إلصاقها به، لأن أي تشويه لهذا التاريخ إنما هو محاولة للإساءة الشخصية لكل فرد فينا، ومن الضروري أن يعلم الجميع أن أعداء سورية يسعون باستمرار وبشتى الطرق والأساليب لتشويه التاريخ السوري وتزويره ونسب الأعمال المشينة له وإلصاق كل الصفات القبيحة والمذمومة به بهدف بتر الماضي عن الحاضر.

قلعة دمشق
وضمن هذا السياق فقد عرضنا سابقاً لمحةً موجزةً عن قلعة حلب، وفي مقالتنا اليوم سنقدم مثالاً آخر عن القلاع والحصون السورية والتي بقيت راسخة صامدة حتى اليوم كقلعة دمشق أحد أهم معالم دمشق التاريخية وحصنها الباقي وأكبر المعالم التاريخية الكاملة الباقية حتى اليوم على الإطلاق من ناحية المساحة، وهي مثال القوّة والحصانة في تاريخ دمشق.

تقع قلعة دمشق في الزاوية الغربية الشمالية لمدينة دمشق القديمة، تتألق شامخةً بتاريخها المجيد، تروي قصصاً مذهلةً عن بطولة وصمود السوريين واستبسالهم في الدفاع عن مدينتهم، وهي إحدى القلعتين السوريتين اللتين بنيتا على مستوى سطح الأرض، القلعة الثانية هي قلعة بصرى، على عكس معظم القلاع العربية في القرون الوسطى والتي كان يتم بناؤها على تلال مرتفعة عن سطح الأرض كي تحقق لها أفضلية الإشراف على المناطق المحيطة، وتعد قلعة دمشق من أفضل القلاع الأيوبية الكبرى التي بقيت في حالة إنشائية جيدة رغم مرور نحو 800 عام على بنائها بشكلها الحالي، وقد لعبت القلعة دوراً مهماً في الدفاع عن المدينة وخاصة عند غزو التتر لدمشق عام 1259 م.

تاريخ بداية إنشاء القلعة غير واضح تماماً فهي لم يرد أي ذكر لها في أدبيات الرومان لكن المعروف من تاريخها بوضوح هو ما استجد بناؤه في زمن السلاجقة حيث شغلت في الموقع نفسه قلعة في العهد السلجوقي أي منذ عام 1076 ميلادي.

بعد انتهاء الفترة السلجوقية حكم نور الدين الزنكي دمشق في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي وجعل مقر حكمه وإقامته في قلعة دمشق، وخلال الفترة ما بين عام 1165 و1174 ميلادي أعاد بناءها وتجديدها وتحصينها لتعزيز دفاعات القلعة وخاصةً بعد الزلزال الذي ضرب دمشق عام 1170 م، ومن أهم ما بقي من منشآت القلعة السلجوقية هو البرج الشمالي الذي قام صلاح الدين الأيوبي بتجديده عام 1188 ميلادي حسب ما تضمنته الكتابة عليه.

بعد وفاة نور الدين زنكي عام 1174 ميلادي بدأ العهد الأيوبي حيث حكم صلاح الدين الأيوبي دمشق وجعل قلعة دمشق مقراً للحكم ومنطلقاً للأعمال العسكرية التي قام بها، وهي قلعة مهمة جداً استفاد منها السلطان صلاح الدين الأيوبي في الدفاع عن دمشق وحمايتها من تهديدات الطامعين بمهاجمة المدينة كما استفاد منها لفرض هيبة الدولة ومنعتها في وجه الغزاة وقام بإجراء بعض أعمال التجديد للمباني السكنية والمنشآت المدنية وزيادة تحصينها وذلك بإضافة برج للقلعة وحين مات دفن فيها قبل أن ينقل رفاته إلى مكانه الحالي المعروف الذي يقع في المدرسة العزيزية شمال الجامع الأموي.

مهمة مستمرة
بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي انتقل الحكم لشقيقه الملك الأيوبي العادل حيث أخذت قلعة دمشق في عهده شكلها الحالي، فقام في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي بإعادة بناء سور القلعة وتحصينه وفقاً لآخر تطوّرات الفنون الحربيّة وجعلها تنسجم مع متطلبات الدفاع الجديدة المتزايدة، وتجاوزت أعمال الملك العادل حدود القلعة السلجوقية فتقدمت أسوارها من جميع الجهات وقد عكست حركة البناء تلك، التطور الملحوظ الذي طرأ على فن العمارة العسكرية في تلك الفترة، وأصبحت قلعة دمشق تعدّ نموذجاً مهماً للعمارة العسكرية في العهد الأيوبي، وكانت تضم عدة منشآت مدنية وعسكرية مهمة وأسواقاً تجارية وحماماً عاماً وعدة مساجد ومساكن ومصانع للسلاح والطارمة وهي قاعة في أعلى البرج الشمالي الغربي، كما بني في الجزء الغربي منها قصر اتخذ فيما بعد مقراً لحكام دمشق حتى غزو التتر عام 1259 ميلادي، وقد أزيلت معظم هذه المنشآت خلال الفترات الزمنية المتلاحقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن عمارة القلاع وصلت حدّ الكمال أو كادت في العهد الأيّوبي وتناقصت أهميتها شيئاً فشيئاً عبر القرون التالية وخاصّةً بعد انتشار استعمال البارود في الحروب.

تبلغ مساحة قلعة دمشق نحو 33000م2 تقريباً حيث يتراوح طولها بين240م -250م وعرضها بين 165م – 120م وهي ذات شكل قريب من المستطيل بمعظم أضلاعها ماعدا ما كان في الزاوية الشمالية الغربية التي تتبع مجرى نهر العقرباني وهو أحد أفرع نهر بردى، ومن أهم منشآت القلعة وعناصرها الدفاعية السور والأبراج والبدنات والممرات الدفاعية والمرامي والرواشن والسقاطات والشراشيف والخندق والجسور المتحركة.

معمار فريد وخاص
ويحيط بالقلعة من الخارج جدار سميك يشكل سوراً منيعاً يضم 12 برجاً ضخماً وتنوعت أشكال أبراج القلعة بين النوع المربع والمستطيل والمستدير، ومزودة بعدد كبير من المرامي والرواشن ومصطلح الرواشن يطلق على العنصر المعماري المستخدم في القلاع لحماية الأبواب والأسوار، وهو عبارة عن شرفة بارزة مسقوفة مزودة بسقاطات، أي فتحات تصب منها الزيوت أو تلقى منها الحجارة على المهاجمين.

وتعتبر البدنات في قلعة دمشق عنصراً معمارياً مهماً في جسم القلعة الدفاعي، ويطلق مصطلح بدنة على جزء السور الواقع بين برجين، وبلغت البدنة في القلعة مستوى مرموقاً من حيث الإتقان والقوّة فشيدت بمداميك من الحجارة الكبيرة البارزة النحت وزودت بالمرامي في أسفلها وأعلاها، ويعلو البدنة شرافات في كل منها مرمىً صغير.

والقلعة محاطة من الداخل بممر دفاعي آخر مهمته تأمين الحماية، كما أن لقلعة دمشق خاصية تكاد تنفرد بها عن سائر القلاع والحصون إذ نجد في مؤخرة الجدران الجانبية وستائرها «مرامٍ» ذات محور مائل والغاية منها إحداث رمي موجه نحو واجهة أبراج القلعة.

وباعتبار أن أبواب القلاع تكون عادةً هي المدخل الأول والمباشر الذي يحاول المهاجمون الدخول منه إلى داخل القلعة، لذلك كان من الطبيعي أن تنال قلعة دمشق اهتماماً خاصاً من بنائي القلاع إذ تتميز أبواب القلعة بميزة دفاعية قل نظيرها وهي أنها ذات محور ينكسر أكثر من مرّة للوصول إلى داخل القلعة، كما يدخل في تصميم أبواب الحصون تأمين عزلها عن المحيط الخارجي بوساطة خندق يقام عليه جسر قسم منه ثابت وقسم متحرك، لذلك فقد أحيطت قلعة دمشق بخندق عميق يبلغ عرضه وسطياً نحو 20م تقريباً، تمت الاستفادة من موقع قلعة دمشق في الزاوية الشمالية الغربية لمدينة دمشق القديمة وبالقرب من فروع نهر بردى، حيث يمر نهر العقرباني من الجهة الشمالية للقلعة فيوفر حماية إضافية لها حيث يملأ الخندق على جوانب القلعة بالمياه أثناء حصار القلعة والحروب فيشكل مانعاً اصطناعياً يزيد في منعة القلعة، وعوض بناؤها النقص في الحصانة الطبيعية للقلعة بالنواحي الفنية والمعمارية فاهتموا بسماكة الجدار حيث كانت تبلغ سماكة جدرانها ثلاثة أضعاف جدران مثيلاتها من القلاع لتكون أكثر مقاومة لقذائف المنجنيق.

من الجهة الغربية للقلعة كان هناك طريق يوازي الخندق ثم ردم الخندق فيما بعد وأنشئ فوقه سوق الخجا وفي الجهة الشرقية للقلعة ردم الخندق أيضاً وأقيم فوقه سوق العصرونية، وكانت القلعة مقراً للحكم خلال العهد الأيوبي حيث كان السلاطين يديرون منها شؤون الدولة وأمور الحكم والنشاطات السياسية والاجتماعية، وفي العصر المملوكي1260- 1516م أصبحت القلعة مقراً لنواب السلطنة عند قدومهم من القاهرة إلى دمشق ثم أصبح للقلعة نائب خاص مستقل عن نائب السلطنة.

وظائف متعددة لها

وفي حالة السلم كانت قلعة دمشق مدينة متكاملة مكتفية ذاتياً تضم السكان والجنود والموظفين وفيها مخازن تجارية ومستودعات للمؤن والمواد الغذائية ولها ميزانية خاصة وفيها سجن ومسجد ومساكن وغير ذلك من المنشآت التي تكون عادةً في أي مدينة وخلال الفترة العثمانية أصبحت القلعة مقراً للانكشارية وهم فرقة بالجيش العثماني، وكان يرأسها الآغا الذي كان يطلق عليه لقب آغا القلعة ومن ضمن مهامه استقبال ووداع الوالي. ومن المنشآت المدنية المهمّة التي ما زالت لغاية اليوم في القلعة جامع أبي الدرداء وهو عبارة عن قاعة واسعة تتصل بالبرج الشمالي المتوسط وفيه ضريح ينسب إلى الصحابي أبي الدرداء.
في سبعينيات القرن الماضي تم إدراج مدينة دمشق القديمة بما في ذلك قلعتها ضمن مواقع التراث العالمي لدى اليونسكو وقامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بالعديد من الدراسات التاريخية في قلعة دمشق ونفذت أعمال ترميم مختلفة فيها بهدف تجهيزها وفتحها للجمهور.

ومن خلال ما ذكرناه سابقاً فإننا نؤكد أنه بعد مرور أكثر من800 عام على بناء قلعة دمشق وعلى الرغم من جميع الحروب والكوارث التي مرت على مدينة دمشق فإن قلعة دمشق لا تزال تطل علينا اليوم شامخةً كشموخ السوريين، صامدةً كصمودهم في وجه كل الطامعين بنهب خيرات وطننا الغالي، بقيت قلعة دمشق راسخة وثابتة على حين رحل عن دمشق كل الغزاة وعلى اختلاف مسمياتهم يجرون أذيال الخيبة، وباتت اليوم قلعة دمشق عنواناً لأصالة السوريين وتمسكهم بأرضهم. ونبقى نحن أصحاب وعشاق هذه الأرض الطاهرة,نعيش عليها ونقدس ترابها ونورث حبها الأبدي للأجيال.

نقلا عن الوطن

تعليقات
Loading...