fbpx

مُرُّ الذّكريات

0

لا أدري كيف صرتُ في وسط المكان, ولا من أيّ بوابة دخَلْتُ, لأن صخب الدّنيا كلَّه كان حاضراً في جموع النّاس والإذاعات الموضعيّة ونوافير الماء والمسارح الصّغيرة وعلى المقاعد بين المروج وفي «الأجنحة» الشّاسعة، تنتمي إلى هذه الدّولة أو تلك! ماذا أفعل بين نصف مليون إنسان جاؤوا موعودين بالفرح، وكلٌّ له في الفرح طريقة؟ أتلبّث قليلاً بين الجموع التي تموج ثمّ تتفرّق إلى حيث تستجيب رغباتها، قبل أن أرى بوّابة لجناح فسيح خفّ فيه الزّحام وتضوّأت على جدرانه شاشاتُ كريستال تتتابع عليها صورُ حرائق, فأجهزة معقّدة في عمق الصّحراء ورجالٌ لطالما أُعْجِبتُ ببزّاتهم الغريبة وخُوَذِهم التي توحي أنّهم من عالمٍ آخر لا يمتُّ إلى الواقع بصِلة! مهندسون، لكن ليسوا في مكاتب أنيقة، مكيّفة، بل في العراء، يعيدون ترتيب حياتنا وهم غير مرئيّين لنا! وتلك الصبيّة التي لمحَت وقفتي على عتبة الجناح تبتسم وتستقبلني بحرارة وفنجان قهوة عربيّة ثمّ تقدمني لسيّدة تجلس في ركنٍ أنيق: -مديرة شركة «أساس», وفي اللّحظة، تستيقظ الأسئلة لمن يعرف إجاباتها الدّقيقة: -أليست صورة الدّمار هذه من حقل الشّاعر يوم اجتاحه الإرهابيّون وخلّفوا وراءهم مئات الشّهداء من العمّال والمهندسين والظَّلام والبرد وخراب الاقتصاد اللامحدود؟ ويفتح السّؤال، بعد مُرِّ الذّكريات، على جولةٍ مع أحد مهندسي شركة «أساس» التي تعمل بخبرات وإمكانات وطنيّة صِرفة في خدمات النّفط والغاز وقد رفضَت الانسحاب من السُّوق المحلّيّة حين سُلِّطَتْ الحربُ الإجراميّة على البلد، فأعادت تأهيل معمل غاز حيّان والمحطّات التّابعة له بعد أن طالتْه يد الإرهاب ودمّرَت ثمانين بالمئة منه، وكذلك فعلت مع محطّة الشّاعر التي دمّرها الإرهابيّون بالكامل، وروى لي، وعيني تتابع مجسّماً لمحطّة الشّاعر وهي معافاة، كيف تعرّض للخطف يوم كان يؤهّل بعض الخطوط التي فجّرها الإرهابيّون في بادية دير الزّور, واستَبَقَ أسئلتي عن نجاته بمعلومة عن وفاء النّاس لوطنهم واحتضانه عبر تدخُّل رجال العشائر على طريقتهم في تحريره، وهم ينتظرون تحرير الوطن كلّه من طاعونهم!

بعيداً، سرَحَ خيالي إلى أيام كنّا نلتمس فيها سويعات تيّار كهربائيّ ونقدّس شهداء مضَوْا على طريق طويل كي نبقى على قيد الضّوء والحياة، ونحن لا نعرف شيئاً عن أولئك الجند المدجَّجين بالشّهادات العليا والإيمان الأعلى بأرضٍ تُفدى بالروح! تركتُه يزوّدني بالمعلومات وقلبي يقول: -مدينون لكم يا مَن كنتم جنداً حقيقيّين حوّلتُم مُرّ الذّكريات إلى واقعٍ يزهو بالإعمار.

نقلا عن تشرين

تعليقات
Loading...