fbpx

صادر من دمشق الشام

0

كشف منذ بضعة ايّام في لندن عن العديد من المراسلات العثمانية والعربية، تعود إلى العام 1759، تمت مصادرتها من قبل البحرية الملكية البريطانية، صادرة عن تجار مسيحيين دمشقيين، مقيمين إما في دمشق أو في مدن السواحل الأوروبية.

كانت البحرية البريطانية، ومن لفّ لفيفها من القراصنة، تقوم بعمليات سطو على سفن مختلفة في عرض البحار، وتصادر البضائع الثمينة التي يمكن بيعها، مثل الخمور والجلود والأقمشة. لم يكترث أحد لتلك المراسلات التي كانت على متنها، معتبرين ألا قيمة لها. عددها 160 ألف وثيقة، وضعت في قبو بناء البحرية في منتصف القرن الثامن عشر نقلت بعدها إلى المتحف البريطاني، حيث بقيت منسية حتى الآن. تم اكتشافها مؤخراً، حيث كسرت أختام الشمع الحمراء وتم الإفراج عنها، ومعظمها بحالة “ممتازة.”

تؤكد تلك الأوراق بأن تجار دمشق كانوا متابعين لكافة تفاصيل الاقتصاد الدولي ومتواجدين في كل مرفأ من مرافئ العالم القديم، من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، لا يخشون من الآخر بل يذهبون إلى عقر داره، في الصين وإيطاليا وفرنسا، لبيع كل ما تنتج دمشق من حرير وأقمشة وبهارات وسيوف.

في تلك المراسلات، التي وصفها كل من اطلع عليها من المؤرخين بأنها “كنز لا يقدر بثمن،” نجد تعلميات دقيقة موجهة لوكلاء التجار، فيها تفاصيل عن كيفية تسعير الحرير، وارشادات عن مواسم بيع البضائع، ونسبة التنزيلات المقبولة.

إضافة لذلك يوجد فيها تقييم دقيق لجودة المنتجات المحلية التي تذهب إلى أوروبا وتلك التي تصل إلى دمشق. الرديء منها كان يرد فوراً مهما قل سعره. في الكثير من تلك الأوراق هناك رموز “تشفير” وضعها التجار لحماية معلوماتهم التجارية السرية، لا يمكن لأحد إلا المتلقي أن يفهمها ويفك طلاسمها.

تظهر المراسلات أن شبكة العلاقات التي كان يتمتع بها تجار الشام كانت غنية جداً، تعلو أي سلطة سياسية أو دينية. جميع التجار كان لهم دفترين، الأول حقيقي، يبقى سرياً لشؤونهم المحاسبية، والثاني خُلبي يظهر فقط أمام جابي الضرائب العثماني.

في عدد من الرسائل يظهر اسم التاجر الشامي “يوسف بيكتي” أو “بوكتي،” المقيم في مدينة ليفورنو الإيطالية الساحلية، والذي كان يرسل بضائعه إلى ميناء الإسكندرية، ويشكو في مراسلاته مع أقربائه من سوء تعامل المصريين. تظهر رسائل أخرى باللاتيني، مرسلة من رجال دين في اوروبا إلى الكنائس والأديرة في بلاد الشام. وفي بعض الأوراق شكاوي من الضرائب والأمراض والأوبئة، وأخرى تروي حديث في هموم السياسة ومصاعب الحياة اليومية.

تتولى عملية الفرز وتدقيق المحتوى الدكتورة استر ميريام واغنر، مديرة مركز وولف في جامعة كامبريدج، وهي خبيرة معروفة في العلاقات العربية اليهودية في زمن الأندلس، التي تنوي ترجمتها ونشرها في كتاب، كما سيتم تحويلها إلى نسخ الكترونية من جامعة أولدنبورغ في ألمانيا.

يبقى السؤال: أين نحن من هذا الإكتشاف، الذي من المفترض أن يعنينا نحن أكثر من الإنكليز والألمان؟ تخيلوا لو كان الأمر معكوساً، لو أننا عثرنا على مراسلات أجنبية في بلدنا، تعود إلى تجار فلورانس ومارسيليا، هل سيقبلون التنقيب عنها من دون اشرافهم؟

أين هو المتحف الوطني، والمكتبة الظاهرية، ومتحف الوثائق التاريخية؟ أين هي غرفة تجارة دمشق ولماذا لم تشارك جامعة دمشق في تلك الأبحاث؟ قد يكون الجواب أن أحداً لم يتصل بنا للمساعدة، ولكن كان علينا أن نبادر، لو كان أحد منا مهتم أصلاً. هنا يأتي السؤال الثاني، وهو الأهم: هل يجب أن تبقى تلك الأوراق في أوروبا، أم أن يتم نقلها إلى دمشق، من حيث صدرت قبل 259 سنة؟

هل أن لأحفاد هؤلاء التجار السوريين الحق بمعرفة ما كتب أجدادهم؟

هل مكانها هناك أم هنا، بين أكواب المتة وسحب دخان الموظفين والموظفات، على رفوف المستودعات وموسيقى “جمالا ولوو،” يتراكم الغبار عليها، قبل أن تفترسها القوارض أو تتحول لأداة لمسح الزجاج؟

الجواب طبعاً، وبكل أسف، أنها أسلم هناك، لأننا لا نعرف كيفية المحافظة على وثائقنا، فكم منها قد تُلف أو اتلف بسبب الإهمال، أو بيع من قبل ضعاف النفوس؟ من يعرف مقتنيات الأرشيف الفرنسي والبريطاني والتركي يدرك كم من تلك الأوراق جاء من سورية، بأشكال مختلفة، تتراوح بين السرقة والبيع والتهريب، ولم يفتح بها يوماً أي تحقيق، ولم يعاقب أي مسؤول، منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم.

تعليقات
Loading...