fbpx

عن «الأحداث الجانحين» و «إصلاحيات» ليس لها من اسمها نصيب…

0
عشرات الأطفال يعيشون في «سجون» لا تصلح إلا لتخريج «الوحوش»: انتهاكات لا حصر لها وتهمٌ ينوء تحت ثقلها أعتى الرجال!

الأحداث الجانحون» أطفال قدموا أحلامهم قرابين لعالمٍ متوحش، وصُناع غدٍ سرقت أقلامهم وخطَّ الزمن على ملامحهم تجاعيد قسوته، وضِعوا في مكان خصص «للإصلاح» فخُرجوا منه أكثر جرماً وعداوة، تعلموا فيه خلع ثوب براءتهم وتعرضوا داخله لما يجهض طفولتهم، فلا قوانين تنصفهم ولا مسؤوليات وأخلاقيات عمل تحكم من يحكمهم.

بمجرد دخولك إلى «سُجونهم» تستنجدك أعينهم لتحملك أمانةَ مساعدتهم، يلتفون حولك وكأنك حبل نجاتهم، ويبدؤون بسرد معاناتهم المجسدة في ملابسهم المهترئة وأيديهم الخشنة وبطونهم الجائعة، ففي الوقت الذي يحلم به أطفالنا باللعب واللهو، يحلم الطفل منهم برحمة مراقب يشاركهم يومهم وعدالة قاض يفرّغ نفسه للنظر في قضاياهم.

أطفال متهمين بالإرهاب والشذوذ الجنسي!

بعينين دامعتين ووجه خجول أخفى (ع) ابن الـ 15عاماً وجهه عندما قابلناه في معهد الغزالي لإصلاح الأحداث، وهو المتهم «باللواطة» بعد أن مارسها مع ابن جيرانه ذي 10 أعوام، ليطرأ سؤال واحد إلى أذهاننا: كيف تعلم طفل بهذا العمر الشذوذ الجنسي؟ ولنفاجأ بجواب يؤكد أن الطفل ذاته كان ضحية جاره ذي 30 عاماً، والذي استدرجه وفرّغ فيه شذوذه الجنسي وبات يبيعه الأفلام الإباحية، التي أوصلت به الحال إلى اغتصاب غيره كما اغتُصب.

بينما يروي (س) ذو 17 عاماً وابن محافظة دير الزور، بغصة كبيرة قصة سجنه مع ثلاثة من أصدقائه في معهد خالد بن الوليد للأحداث والذين كانوا ضحية تقرير كيدي يتهمهم بـ «الإرهاب»، بسبب خضوعهم لدورات تدريبية أجبرهم عليها تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي كان يحتل منطقتهم لفترة من الزمن، فلم تشفع لهم «التسوية» التي خرجوا بموجبها ولا الطفولة التي غادروها عنوةً.

فيما تمثّل قصة (م) ابن 13 عاماً أحد أبشع صور الإهمال الأسري، حيث يُحتجز الطفل داخل المعهد بتهمة قتل ابن عمه، وذلك بعد أن كان ابن عمه يلعب «بسلاح أبيه»، لتنطلق رصاصة منه وترتد لتقتله، فما كان من الأب سوى إلصاق التهمة بـ(م) للتهرب من العقوبة، وذلك على اعتبار أن حُكم الحدث يساوي نصف حُكم البالغ، ضارباً بمبدأ الأبوة والتربية عرض الحائط.

بينما يستمر وجود آخرين داخل المعهد نتيجة رفض أهاليهم استلامهم بعد أن أنهوا مدة توقيفهم وذلك بسبب اعتبارهم «وصمة عار» من قبل أسرهم، أو عدم امتلاكهم أسرة متكاملة بالأصل.

سجون «إصلاحية»!

عندما ترتبط هذه الجرائم الشنيعة باسم طفل، فمن المفترض أن يكون الهدف أو حتى «العقاب» إن كان لا بدّ منه هو الإصلاح، إصلاح ومعالجة هذا الطفل الذي ارتكب الجريمة أساساً كنتيجة لظروفه المعيشية القاهرة، لكن مع الأسف ما يقدّم في معاهدنا «الإصلاحية» لا يمت لتسميها بصلة، فالمكان وعلى لسان أحد مدراء المعاهد هو أشبه بـ»زريبة حيوانات» لا يصلح للعيش البشري، بداية من بنائه غير الصحي الذي صمم بطريقة مشابهة للسجون المركزية، ذات «المهاجع» والأسِرَّة الحديدية المكسوة بفراش ممزق، ونهاية بكادره غير الكافي وغير المؤهل الذي يعاقب الطفل بالضرب والشتائم و يتعامل معه كـ»مجرم» لا كـ»ضحية».

كوادر قليلة وغير متخصصة

إذاً، كيف لمعهد خُصص «للإصلاح» أن يحتوي على اختصاصية اجتماعية واحدة نهاراً، ومراقب واحد ليلاً؟! وذلك على الرغم من سياسة فرز الأطفال «حسب الحجم» التي يتبعها المعهد، فيُجمع الطفل المتهم «باللواطة» مع الطفل المتهم «بالسرقة» مع الطفل المتهم «بالإرهاب»، ليعلّم كل منهم الآخر، بالإضافة إلى تعيين البعض منهم كمشرفين على بقية الأطفال لحل معضلة «الكوادر الناقصة» بـ «كوادر غير مؤهلة».

يؤكد مصدر من داخل المعهد لـ «الأيام» بأن هناك حادثة سابقة قام من خلالها 10 أطفال بربط المراقب ليلاً، ووضعه بالحمام ومن ثم الهرب، مضيفاً أن أبرز ما يعاني منه الأطفال هو معاقبتهم بالضرب، واستغلالهم وأهاليهم من قبل المراقبين في أوقات الزيارة المخصصة لهم، وقلة الطعام، وانعدام وسائل التدفئة شتاءً والتبريد صيفاً، بالإضافة إلى محاولة بعض الأطفال الأكبر سناً التسلط على الأطفال الصغار والضعفاء، فتم رصد أحد الأطفال المتهمين «بالشذوذ الجنسي» يتحرش بطفل أصغر منه سناً ويجبره على الرضوخ لأوامره أثناء الاستحمام، ونظراً لوجود مراقب واحد لم يُكتشف الموضوع إلا بعد انهيار الطفل المُغتصب أمام المرشدة النفسية.

125 ليرة… جعالة!

تتفق مختلف الدراسات الاجتماعية المختصة بـ»جريمة الطفل» أن الوضع المادي المتدني و السيئ هو العامل المشترك والأكبر الذي دفع هؤلاء الأطفال للجريمة، وعلى الرغم من ذلك عوقب هؤلاء الأطفال بالدخول الى «إصلاحية» ذات وضع مادي أسوأ لينطبق عليهم مثل «من تحت الدلف لتحت المزراب».

مسؤولة الإطعام بمعهد خالد بن الوليد تؤكد لـ»الأيام» أن الميزانية المخصصة للطعام قليلة جداً ولم تتغير منذ 20 سنة حتى اليوم، وذلك على الرغم من ارتفاع أسعار المستلزمات الغذائية، مشيرةً إلى أن الشؤون الاجتماعية خصصت مبلغ 15 مليون ليرة سنوياً كميزانية لإطعام كلا المعهدين، يخصم منها 2 مليون ليرة سورية لتأمين مادة الخبز، كما حددت جعالة كل طفل بـ»125» ليرة سورية يومياً، أي ما يعادل (60) غ من كل وجبة غذائية، ما سبب اقتصار الطعام على «المعكرونة والمجدرة»، والوجبات المتكررة فقط، وتقسيم كيلو «اللبنة» الواحد على 17 طفلاً، وبالتالي الابتعاد عما يحقق التوازن الغذائي الذي تحتاجه بنية الطفل الحدث، ولا يستثنى ذلك إلا بالأيام التي تتبرع فيها الجمعية الشريكة بوجبات طعام للأطفال.

تبريرات غير منطقية

ولم تختلف ردود وتبريرات وزارة الشؤون الاجتماعية الخجولة المتعلقة بمواضيع التقصير هذه المرة عن المرات السابقة، إذ يبرر مدير معهد خالد بن الوليد لإصلاح الأحداث الجانحين كمال محمد «للأيام» اتباع المعهد أسلوب الفرز بحسب الحجم وليس بحسب وضع الطفل وقضيته، بسبب رفض التفرقة واستبعاد الخلفية الجرمية للحدث بحيث لا تكون قضيته وصمة بحقه.

وعن الكوادر المتواجدة في المعهد أشار «المحمد» إلى امتلاك المعهد 4 موظفين مختصين و٣ موظفين غير مختصين يناوب منهم مراقب واحد ليلاً، ويبدل كل 48 ساعة على (198) طفل يتواجد حالياً داخل المعهد، مضيفاً أنه في كل اجتماع مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تطلب إدارة المعهد كوادر مؤهلة إلا أن الظروف الحالية تمنع ذلك!

وبينّ «المحمد» أن الميزانية الموضوعة (125 ليرة سورية لكل طفل)، لا تكفي وخاصة في ظل غلاء الأسعار، مؤكداً أنه تم سابقاً تقديم العديد من الطلبات لرفع المبلغ المخصص إلا أنه لا يوجد ميزانية مفتوحة بكافة مؤسسات الدولة، مضيفاً أن الجمعية الشريكة (الجمعية السورية للتنمية الاجتماعية) تحاول تعويض النقص الذي تنتجه الموازنة المنخفضة.

وختّم «المحمد» بأن حل مشاكل المعاهد الإصلاحية يكمن بتغيير البنية القانونية الخاصة بالمعاهد بحيث يكون لها هيئة مستقلة متخصصة برعاية وإصلاح الأحداث تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتعمل على حل مشاكلها لوحدها وتوسيع دورها الإصلاحي، إلا أن الأمر صعب المنال كونه يحتاج إلى تعديل القانون.

مدير معهد الغزالي أكد أن سبب عدم جاهزية المعهد ووضعه السيء حالياً، هو أن المعهد الأساسي الذي كان مخصصا للأحداث، تعرّض للتدمير والتخريب خلال الأزمة، مطالباً الجهات المسؤولة بإعادة ترميم المعهد القديم المجهز بتدفئة مركزية ومسابح وملاعب رياضية وصالات إطعام، بدلاً من ترميم المعهد الحالي ذو البنية التحتية الضعيفة والجدران المهترئة، مشيراً إلى أنه من بين كل 10 أطفال داخل المعهد يوجد طفل واحد متهم بتعاطي المخدرات وطفلين متهمين بالشذوذ الجنسي، معتبراً أنه من أهم المشكلات التي تواجه إدارة المعهد هي رفض الأهالي استلام أبنائهم بعد انتهاء مدة توقيفهم، مما يسبب بقاء الطفل داخل المعهد أو تحويله بموجب كتاب صادر عن القضاء إلى مركز «حقوق الطفل».

بلا محاكمات!

عند زيارة «الأيام» لكلا المعهدين اشتكى عدد كبير من الأطفال من التأخر بالنظر بقضاياهم والبت بأحكامهم، فبعضهم محتجز منذ قرابة 6 أشهر ولم يبت بوضعه بعد، كما أكد مدير معهد الغزالي أن عدد الأطفال المتواجدين داخل المعهد هذا الشهر وصل إلى 70 طفل بينهم 11 طفل تمت محاكمتهم فقط! بالإضافة إلى ارتفاع عدد الأطفال المتهمين بالإرهاب لأكثر من نصف العدد الموجود في معهد خالد بن الوليد!

رئيس محكمة جنايات الأحداث في دمشق والقنيطرة القاضي «فتون الدروبي» أوضحت لـ «الأيام» أن سبب التأخر في البت بالقضايا هو الضغط الهائل وارتفاع عدد الدعاوى خلال الأزمة نتيجة نزوح أغلب سكان المحافظات إلى دمشق، كما أن الدعاوى تمرّ بمراحل عديدة ما يؤخر البت فيها، مضيفة أنه خلال زيارة لها مع المحامي العام في دمشق لمعاهد إصلاح الأحداث الأسبوع الفائت تبينّ أن أغلب الدعاوى غير المبتوت فيها تابعة لمحكمة ريف دمشق، علماً أن القضاء جاهز لإصدار إخلاء سبيل أي طفل يحقق الحد الأدنى من العقوبة مباشرةً.

ضحايا تقارير كيدية!

وتؤكد «الدروبي « أن سبب ارتفاع عدد الأطفال المتهمين بـ»الإرهاب» في معهد خالد بن الوليد هو سوء نية البعض وحقدهم، مضيفةً أن أغلب دعاوى الإرهاب هي دعاوى كيدية، خاصةً أن بعض الأحداث المتهمين بأعمال إرهابية ثبت بالأدلة أنهم كانوا في دمشق ولم يكونوا في مناطق خاضعة لسيطرة «داعش»، مشيرةً إلى أن سجن عدرا يعاني من نفس المشكلة فـ99% من الدعاوى فيه هي قضايا إرهاب و1% هي نسبة باقي الجرائم.

وأضافت «الدروبي» أن قانون الأحداث الجانحين في سورية هو من أفضل القوانين ضمن الدول العربية والأجنبية، لكنه مع الأسف لا يطبق، وبقي مجرد كلام من دون فعل، وذلك بسبب النفوس الجشعة وغير المؤهلة المسؤولة عن المعاهد الإصلاحية، والتي تسعى دائما لجني المنفعة وتحقيق مصالحها المادية، حيث لاحظنا خلال زيارتنا أن «المعهد لا يستوفي متطلبات الحياة أبداً، ولا يصلح لوضع «حيوانات» فيه وليس بشر فقط، ومن وجهة نظري كقاضية أحداث فتقييمه لا يزيد عن (ناقص 10)».

وأشارت قاضي الجنايات إلى أنه في كل مرة تجتمع فيها وزارة العدل مع وزارة الشؤون الاجتماعية تطلب منها كف يدها وتسليم إدارة هذه المعاهد للقضاء، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، فهم يكرهون التجديد دائما، مضيفةً أنه من الجيد دائما أن يكون القاضي المختص بشؤون الأحداث «امرأة» كونها تتمتع بعاطفة الأمومة التي يجب استخدامها في التعامل مع هؤلاء الأطفال، موضحةً أنها تنجز حوالي 15 قضية أحداث يومياً.

47 % قضايا منجزة في 2017

في إحصائية لعام 2017 سجلت محاكم الأحداث في سورية ورود 7554 دعوى، تم إنجاز 3575 دعوى، أي ما نسبته (47%)، في حين وصل عدد القضايا غير المنجزة الى 3979 قضية أي ما نسبته (53%) من عدد القضايا.

وسجلت دمشق أعلى نسبة إنجاز بعدد 1276 قضية، في حين سجلت طرطوس أدنى نسبة لها بـ 13 قضية.

وسجلت محكمة جنايات الأحداث بدمشق 283 جناية ارتكبها الأحداث خلال عام 2017، ويبلغ عدد الدعاوى المفصول منها نحو 198 دعوى. وكانت أغلب الجرائم جرائم السرقة بأنواعها والسلب بنحو 70 دعوى. في حين جاءت الجرائم المتعقلة بارتكاب أعمال إرهابية وحيازة سلاح بقصد القيام بأعمال إرهابية والانضمام إلى مجموعات إرهابية، في المرتبة الثانية من حيث العدد وتقدر بـ 64 دعوى، تلتها الجرائم المتعلقة بالمخدرات بما يقارب 23 دعوى، وسجلت محكمة جنايات الأحداث بدمشق 260 جناية ارتكبها الأحداث خلال 2016.

من جهة أخرى فقد بلغت عدد الجنح التي ارتكبها الأحداث خلال 2016 نحو 226 دعوى، المفصول منها 125 دعوى، كما بلغ عدد دعاوى الجنح خلال 2017 نحو 152 دعوى فُصل منها 189 دعوى فقط.

أسباب ونتيجة

تُرجع الخبيرة الاجتماعية «سارة شماع» سبب انتشار الجريمة بين الأطفال إلى الانحدار بمستوى التعليم وانعدام التربية، بالإضافة إلى انتشار الفقر نتيجة الأزمة الاقتصادية والحرب التي مرت بها البلاد، ما انعكس سلباً على ارتفاع نسبة الجريمة في المجتمع وبين الأطفال على وجه الخصوص، بالإضافة إلى إهمال الأهالي لأطفالهم، فغالباً ما نلاحظ أن العامل المشترك بين هؤلاء الأطفال هو التشتت الأسري الذي يؤدي إلى غياب القدوة، والمثل الأعلى لدى الطفل ويدفعه الى الضياع والجريمة.

وعن كيفية التعامل مع الطفل الحدث أوضحت شماع أنه من الضروري تجاهل الصفات السلبية الموجودة في الطفل الحدث والتعامل معه على أنه ضحية لظروف سيئة، ومحاولة الاستماع إليه وإعطاء أهمية لرأيه والتوقف عن انتقاده وتذكيره بجرمه، خاصة أنه يكون في مرحلة البحث عن ذاته، بالإضافة إلى محاولة منحه الأمان ودمجه ضمن أسرة سوية تعمل على تنمية قدراته الإبداعية وهواياته المختلفة بما يفرغ طاقته السلبية، ومنع الضرب والشتم داخل المعاهد الإصلاحية التي تفقد الطفل الحدث الشعور بالأمان وتقدير الذات لديه، ما يدفعه على الهرب أو الإصرار على الجريمة.

هُم بناة المستقبل

في الوقت الذي نسعى فيه إلى إعادة الإعمار والنهوض بالبلاد من جديد، يعمل غيرنا على التضحية بجيل كامل من المفترض استقطابه وإشراكه في بناء مستقبل سورية، ففي هذه المعاهد جيل كامل قادر على العطاء والمساهمة، جيل من حقه سن تشريعات جديدة تعاقب من أودى به إلى هذا الحال، بدايةً بالأهل وانتهاءً بالمعتدي والمغتصب والمسؤول المهمل… جيل من حقه تفعيل «الرعاية اللاحقة» الموجودة ضمن قانوننا بالاسم فقط، والتي تستدعي تشييد مراكز إيواء تستقبل المستضعفين منه… جيل من حقه إيجاد مراكز «إصلاحية» بما تعنيه كلمة «إصلاحية» من معنى، تستوعبه عند الخطأ وتهتم فيه وتقوّمه، لا سجون تحطّم طفولته وتعمّق لديه مفهوم الجريمة!

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...