fbpx

الحكمة في توجيه الحرب ونجاح «إدارتها» اقتصادياً يجب أن يكون منطلقاً لإدارة مرحلة إعادة الإعمار

0

سبع سنوات من الحرب كفيلة باستنزاف اقتصاد أي بلد، فكيف صمدت سورية؟ كيف استطاعت أن تستمر في مؤسساتها وخدماتها ودفع رواتب موظفيها، حتى لو كان ذلك في حدوده الدنيا، رغم الخسائر الكبيرة التي واجهتها، على ماذا اعتمدت؟ الاحتياطي… صمود المواطن… أم المساعدات؟؟

أكثر من 400 مليار دولار خسائر

الخسائر التي تكبدتها سورية خلال الحرب كانت كبيرة جداً في مختلف المجالات، ما وضع الاقتصاد السوري أمام خطر حقيقي هدّد تماسكه. وتوضّح وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي أنه وفقا لمصادر الأمم المتحدة أو المحللين الاقتصاديين أو المسؤولين الحكوميين في الحكومة السورية، فإن الناتج المحلي الإجمالي السوري انخفض بنسبة كبيرة خلال الفترة (2011 – 2018)، وهي سنوات الحرب أو مجموعة الحروب التي خاضتها سورية ضد عشرات المجموعات الإرهابية المتنوعة المرجعيات، بحسب تمويلها أو تزويدها بالأسلحة أو تأمين الغطاء اللوجيستي والسياسي، مشيرة إلى أن الأسباب التي أدّت لذلك كثيرة، ومنها توقف إنتاج النفط خاصة نتيجة سيطرة الإرهابيين على أكبر حقول النفط، وتوقف إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، لاسيما القمح الذي كان الغذاء الأساسي للمواطنين، إلى جانب الدمار الذي حصل للمنشآت الصناعية والبنى التحتية، وتوقف حركة السياحة وما ينجم عنها من انخفاض شديد في الواردات، وتوقف الشركات والورش عن العمل، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الحصيلة الضريبية من جهة وازدياد نسب وأعداد العاطلين عن العمل من جهة أخرى، والتضخم النقدي والسعري الذي دفع ثمنه الشعب السوري بكافة شرائحه.

وتؤكد عاصي أن هذه النقاط لا تشكّل كل الخسائر الكبيرة التي تحملتها سورية.

تقدير الخسائر التي تعرّضت لها سورية خلال الحرب تراوحت بين 200-300 مليار دولار، إلا أنها حسب ما يرى معاون وزير الصناعة السابق بركات شاهين قد تصل إلى أكثر من 400 مليار دولار.

موضحاً أن الخسارة المادية التي تكبدتها سورية خلال الحرب كانت كبيرة جداً، خاصة مع توقف القطاع الخاص عن العمل لأن الأنشطة الاقتصادية كان أغلبها خارج المدن، وهي مناطق كان من الصعب الوصول إليها خلال الحرب، ومن الممكن القول إن الدولة خسرت من الأصول الثابتة خلال الحرب أكثر من 80 .%

أما فيما يتعلق بالخسائر التي سببتها القروض فيرى شاهين أن خسائر القروض كانت كبيرة جدا، حيث منحت الدولة تلك القروض عندما كان الدولار 45-47 ليرة، ولم يتم تسديد هذه القروض في وقتها، إلى أن تم إعفاء المقترضين من غرامات التأخير، لتُسدّد القروض بـ 10 % من قيمتها الحقيقية، وأعطيت هذه القروض بالليرة السورية أو حتى بالقطع الأجنبي حيث أعطى بنك الاستثمار الأوروبي قروضا كبيرة بالقطع الأجنبي وسُدّدت بالليرة السورية، وما زاد الوضع سوءا أن المقترضين لم يستثمروها في سورية، إنما خرجوا لاستثمارها في لبنان أو تركيا أو حتى مصر، أي أن القطع الأجنبي تم تهريبه بشكل أو بآخر.

جانب آخر مهم من الخسائر، أشار إليه معاون الوزير السابق، وهو الخسائر غير المادية والتي ستنعكس على الحياة الاقتصادية في المستقبل مثل الخسائر في التعليم والإبداع، بعد أن أصبح همّ المواطن تأمين لقمة العيش فقط من دون أن يفكر في تعليم أبنائه، أو حتى تطوير مهاراته، واستنزاف العقل والتفكير لا يمكن تعويضه بسهولة بعد الحرب.

اقتصاد مؤسس بشكل جيد

من جانبه يرى الباحث الاقتصادي عمار يوسف أن ظاهرة صمود الدولة السورية اقتصاديا على الرغم من الحرب الطويلة هي ظاهرة تستحق الدراسة العميقة، وهذا الصمود ما كان ليحدث لولا أن الاقتصاد السوري اقتصاد مؤسس بشكل جيد منذ ما يزيد عن خمسين عاماً، وذلك من خلال ما قامت به الدولة السورية منذ القديم من اعتماد الاقتصاد المقاوم، والاعتماد على القطاع العام الاقتصادي، واعتماد قوانين الهدف منها دعم الاقتصاد الوطني بشكل كامل من دون النظر إلى اقتصاديات الدول المجاورة.

ومن أهم أسباب صمود الاقتصاد الوطني حسب يوسف، وجود مخزون استراتيجي من العملات الصعبة كاحتياطي نقدي في المصرف المركزي، إضافة إلى سلة من العملات الصعبة والمعادن الثمينة غير معروفة وغير مصرح بحجمها، الهدف منه دعم الليرة السورية وتأمين مستلزمات الصمود الاقتصادي. وهذا المخزون حقيقةً من منجزات القائد الخالد حافظ الأسد وعلى مدى ما يزيد عن 30 عاماً.

وحول حجم هذا المخزون الاحتياطي يقول شاهين إن حاكم مصرف سورية المركزي هو من يعلم كم كان لدينا احتياطي نقدي، إلا أن المعروف أنه لم يكن لدينا ديون خارجية وهذا أسعفنا، ويعود الفضل في هذا لسياسة الدولة، خاصة وأنها لم تراكم أية مبالغ نقدية للخارج، وبالتالي كان كل ما يوجد داخل الخزينة ملكا لنا. لافتاً إلى أنه كان هناك حكمة في السياسات الاقتصادية المتّبعة من قبل الدولة، حتى استطاعت أن تستمر في إعطاء الرواتب للموظفين حتى في مناطق سيطرة المسلحين، محافظة على الحد الأدنى من إبقاء المواطن بقوته.

بدورها عاصي توافقهم الرأي حيث ترى أن الاعتماد على ما تمتلكه سورية من العملات الصعبة (الاحتياطيات) من أجل استيراد وتأمين ما يحتاجه عموم المواطنين، من سلع أساسية وضرورية للحفاظ على حياتهم (السلع الغذائية، الصحية)، كان له الدور المهم في الحفاظ على توازن الاقتصاد، ولتأمين الرواتب للموظفين المدنيين والعسكريين الذين يدافعون عن البلد، في وجه المجموعات الإرهابية ذات التمويل الكبير من دول إقليمية وخليجية، إضافة إلى تأمين حسن سير مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات.

سياسة التقشف

خطوة أخرى اعتمدتها الدولة خلال الحرب للحفاظ على توازنها الاقتصادي، وهي «التقشف»، والتي كان للمواطنين الدور الأهم فيها، حيث يشير بركات شاهين إلى أنه في الأزمة عاش المواطنون على 10 % من مداخيلهم، حيث تساوي قيمة 30 ألف ليرة قبل الأزمة 300 ألف ليرة اليوم، والحقيقة أن المواطن قبل الحرب كان يعيش «بحبوحة»، إضافة إلى أن سيولة العملة الصعبة في خزينة الدولة لم تستنزف كثيراً، بسبب التقشف وهذا عنصر مهم ساعد الدولة على الصمود، إلى جانب الترشيد في الإنفاق.

ويؤكد بركات أن خطط الدولة في الإنفاق الجاري والاستثماري اختلف، حيث توقف الإنفاق الاستثماري فعلياً خلال الحرب وهو يشكل 60 % من الإنفاق، ما يعني أن الإنفاق كان بحدوده الدنيا خلال الحرب. من جانب آخر الخدمات كانت بحدودها الدنيا، حيث كان هناك تقليص باستخدام الكهرباء والمياه، خاصة كون التحصيل الضريبي انخفض كثيرا.

ويؤكد معاون الوزير السابق أن صمود المواطن كان له الدور الأكبر في صمود الدولة حيث تأقلم السوريون مع مرحلة التقشف، واستطاعوا العيش بالحد الأدنى، إضافة إلى اعتمادهم على المساعدات التي قدِّمت لهم من السوريين في الخارج، فأغلب السوريين كان لهم من يساعدهم من أقربائهم أو معارفهم في الخارج وهذا ما سهّل الموضوع، وهنا تؤكد لمياء عاصي أنه ولتأمين التوازن بين الإنفاق والإيرادات، اعتمدت الدولة على السياسة المالية التقشفية، وسياسة منع الاستيراد للسلع غير الضرورية، أو التي تنتج أو ينتج بديل لها في سورية، كما قامت الحكومة بزيادة الرسوم الجمركية لكثير من السلع في مسعى لترميم الواردات الحكومية، وللحد من الاستيراد بشكل غير مباشر.

الاعتماد على الذات

عدة عوامل أخرى ساهمت في الحفاظ على الاقتصاد السوري من الانهيار خلال فترة الحرب، منها اعتماد الاقتصاد السوري في فترة ما قبل الأزمة حتى عام 2002 على القطاع العام، حسب رأي عمار يوسف الذي يوضح أنه على الرغم من سيئات القطاع العام في بعض الأحيان، وهي قليلة، كان الرافعة الاقتصادية الأهم، والذي حمل الاقتصاد السوري رغم محاولات العديد من الحكومات تدميره بشكل أو بآخر.

إلى جانب إمكانية الاقتصاد السوري على التبدل والتحول، وإمكانية الاقتصاديين السوريين على معالجة الأزمات الاقتصادية الخارجية بشكل أو بآخر، لما فيه مصلحة المواطن والوطن.

ويضيف يوسف أن الصمود الأسطوري للجيش العربي السوري كان له الفضل الأكبر من خلال الحفاظ عل أمان وسلامة المنشآت الاقتصادية الاستراتيجية، والتي تمسّ بشكل مباشر الاستقرار الاقتصادي.

لافتاً إلى أن تركيبة الاقتصاد السوري والتي تعد مميزة على مستوى العالم من حيث التكامل ورفع شعار الاعتماد على الذات، والذي استمر تطبيقه إلى ما يزيد عن 45 عاماً، والذي جعل الاقتصاد السوري يملك خصوصية غير مرتبطة بالأزمات الاقتصادية العالمية، ساهمت أيضاً بتماسك هذا الاقتصاد خلال الحرب.

حلفاء وأصدقاء

الحلفاء والأصدقاء كان لهم دورهم أيضاً على الرغم من أن هذا الدور لم يكن أساسياً، إلا أنه أسهم بشكل أو بآخر في دعم الاقتصاد السوري خلال أزمته. وتقول الوزيرة السابقة إن سورية ترتبط بعلاقات تاريخية واستراتيجية مع روسيا منذ عقود طويلة (الاتحاد السوفيتي)، وهي المورّد الرئيسي للأسلحة، ومعروف أن روسيا لديها مصالح اقتصادية كبيرة في سورية، حيث أن الشركات الروسية تريد أن تستثمر بشكل كبير في قطاع النفط في سورية، أما إيران فهي دولة حليفة لسورية وترتبط معها بعلاقات مميزة في كل المجالات، وأثناء الحرب قدّمت إيران المستشارين العسكريين، إضافة إلى الدعم الاقتصادي، وخصوصا من خلال الخط الائتماني الذي استفاد منه كثير من السوريين بتلبية احتياجاتهم من السلع والخدمات. لافتة إلى أنه لم يكن من السهل إدارة بلد كسورية خلال سنوات الحرب، لأن النفقات زادت بشكل كبير كما أن الموارد انخفضت بشكل كبير.

مساعدات قليلة

في السياق يرى بركات شاهين أن المساعدات المقدّمة إلى سورية كانت قليلة جدا، بالمقارنة مع ما قدمته الدولة السورية، إلا أنها موجودة تمثلت في النفط والقمح، ولم ينكر عمار يوسف دور هذه المساعدات أيضاً، موضحاً أن الأصدقاء وقفوا مع سورية من خلال مساعدات ساهمت في دعم الاقتصاد السوري، ولعل أهم وسائل الدعم الخطوط الائتمانية فيما بين سورية وأصدقائها.

لكنه يؤكد في الوقت نفسه أنه وبالإضافة إلى العديد من الأسباب التي أدت إلى صمود الاقتصاد السوري، والتي تحتاج إلى دراسات موسعة، «أميل إلى أن الاقتصاد السوري ما كان ليصمد لولا أن القائد الخالد حافظ الأسد أسس لهذا الصمود، مع الفريق الاقتصادي الذي حكم الاقتصاد السوري في تلك الفترة».

حكمة سياسية

ويقارن بركات شاهين الحرب في سوري بالحرب في ألمانيا حيث يقول في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية «شحذ» الألمان، وأصبح حجم الغلاء والتضخم هناك، أكبر مما هو عليه في سورية اليوم، كما حدث في العراق أيضاً.

ويؤكد شاهين أنه كان هناك حكمة في قيادة وتوجيه الحرب، حتى تم المحافظة على الحد الأدنى لتجنب حدوث فاقة في البلاد، مضيفاً أن الدرس الكبير الذي حصلت عليه الدولة خلال الحرب يجب أن تستفيد منه في مرحلة ما بعد الحرب، فكما كانت إدارة الحرب ناجحة يجب أن تعمل الدولة لتكون إدارة إعادة إعمار البلاد ما بعد الحرب ناجحة أيضاً، حيث تحتاج في مرحلة إعادة الإعمار حكمة شديدة للحؤول دون تكرار الأخطاء في الإنفاق الحكومي التي حصلت بعد حرب تشرين.

ما بعد التقشف

الحكمة في إدارة اقتصاد البلاد خلال الحرب هي التي حافظت على تماسكه، وهي التي ينتظرها السوريون بعد الحرب، فالحكمة المنتظرة في المرحلة القادمة هي ما ينتظره السوريون رداً لجميل تحملّهم سنوات التقشف الصعبة التي اضطرتهم الحرب للتعايش معها، نتيجة الضغط الكبير الذي تعرّض له الاقتصاد السوري

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...