fbpx

تجربة التلفزيون السوري في الإنتاج السينمائي

0

ربما يثير هذا العنوان للوهلة الأولى دهشة بعض القرّاء فالمتعارف عليه عندنا هو أن التلفزيون للتلفزيون و السينما للسينما و لعل هذا القول تحديداً هو الذي أدى إلى الإطاحة بتجربة التلفزيون في حقل الإنتاج السينمائي لمرّتين. في الماضي كانت الأفلام السينمائية تصور على أشرطة السيلولويد قياس 16 أو 35 مم التي حلت كبديل عن أشرطة نترات الفضّة كما كانت الأفلام الإخبارية و الوثائقية المخصصة للعرض التلفزيوني تصّور بنفس الطريقة و من هنا جاءت حاجة التلفزيون السوري بعد تأسيسه بفترة وجيزة لكوادر سينمائية مختصة في هذا المجال و أعلن في الستينيات عن بعثات لدراسة السينما في موسكو لصالح التلفزيون بينما استمرت في هذه الأثناء دائرة الخدمات السينمائية التابعة للتلفزيون بإنتاج بعض الأفلام التسجيلية و الروائية التي أنجزها مخرجون مثل صلاح دهني، قيس الزبيدي، أمين البني، خلدون المالح و غسان باخوس و من أبرز هذه الأفلام محاولة عن سد الفرات 1970 لعمر أميرالاي كما يشير جان ألكسان في كتابه عن السينما السورية إلى أن التلفزيون أنتج في ذلك الوقت فيلم الرجل و هو فيلم روائي طويل من إخراج فيصل الياسري.

تأسست دائرة الإنتاج السينمائي في التلفزيون سنة 1974 بعد عودة السينمائيين الموفدين إلى الاتحاد السوفيتي لصالح التلفزيون، و بينهم سينمائيين كبار أبرزهم محمد ملص و هيثم حقي، و باشرت الدائرة بإنتاج أفلام تسجيلية و روائية قصيرة أنجزها المخرجون العائدون حديثاً إلى جانب المخرجين المذكورين سابقاً اللذين استمروا بالعمل و من بين هذه الأفلام الدجاج لعمر أميرالاي، القنيطرة 74 و الذاكرة لمحمد ملص كما أنجز هيثم حقي لهذه الدائرة الكثير من أفلامها القصيرة مثل مهمة خاصة – النار و الماء – السدّ و الأرجوحة و الفيلم الروائي الطويل التقرير أو ملابسات حادثة عادية و يشير المخرج هيثم حقي إلى أن إدارة التلفزيون لم تكن راضية عن توجه هذه الأفلام و هذا أحد أسباب توقف الدائرة عن الإنتاج إلى جانب أسباب أخرى أبرزها دخول الكاميرا المحمولة و تقنية تصوير الفيديو و مع ذلك استمرت الدائرة في الثمانينيات بإنتاج أفلام سينمائية تسجيلية غلب عليها الطابع التقريري أنجزها مخرجون انضموا إلى التلفزيون في تلك الآونة منهم غزوان بريجان، محمد بدرخان، محمد اسماعيل آغا و علاء الدين الشعار و قد أصبح، في ذلك الوقت، للحديث عن الأفلام السينمائية و التلفزيونية قاعدة علمية إذ حُصِرَ الإنتاج السينمائي بمؤسسة السينما لكونه عملية مكلفة تتطلب استيراد علب الخام و وجود معامل للطباعة و التحميض و جيش من و التقنيين المختصين سينمائياً بينما أقدمت دائرة الإنتاج التلفزيوني ضمن الهيئة العامة للإذاعة و التلفزيون على إنتاج أفلام تلفزيونية تسجيلية و روائية اصطلح على تسميتها سهرات تلفزيونية و قد ازدهرت هذه الظاهرة كثيراً في التسعينيات و أقبل على إنتاجها القطاعين العام و الخاص على السواء و بالتأكيد لم تكن هذه السهرات صالحة للعرض السينمائي لأنها مصورة على أشرطة فيديو حتى و إن كان تنفيذها يتم بطريقة سينمائية عبر استخدام الكاميرا الواحدة و التصوير في المواقع الطبيعية و قد توقف إنتاجها بشكل شبه تام مع بداية القرن الحالي لأسباب تسويقية على الأرجح.

شهدت تقنية الديجيتال في السنوات الأخيرة تطوراً هائلاً و صارت تُعتَمَد في كثير من الصناعات المتقدمة كبديل عن طريقة التصوير السينمائي التقليدية خاصة مع ظهور و انتشار وسائل العرض الرقمي في الصالات و أدى ذلك لتوحيد طريقة العمل السينمائي و التلفزيوني إذ أصبحت الأفلام السينمائية تُصَور بكاميرات الديجيتال و زالت الحاجة لعلب الخام و معامل الطباعة و التحميض و مع إحداث المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني و الإذاعي في سوريا سنة 2010 و مجيء إدارة متحمسة و واعية لضرورة عودة التلفزيون إلى إنتاج الأفلام تمَّ وضع عدة أفلام على قائمة الإنتاجات الجديدة و ظهر سنة 2011 الفيلم الروائي الطويل طعم الليمون من تأليف رافي وهبي عن فكرة لحاتم علي و إخراج نضال سيجري و عُرِضَ جماهيرياً في سينما الكندي و قد شكَّل ذلك سابقة و أنعش الآمال بإمكانية ظهور جهات تنتج الأفلام السينمائية غير مؤسسة السينما و بهمة عالية و نشاط دؤوب و وتيرة سريعة، لم نعتد عليها عند المؤسسات الحكومية، تابعت مؤسسة الإنتاج مشروعها في الإنتاج السينمائي و شاركت بتمويل الفيلم الروائي الطويل الحاسة الثانية من تأليف أحمد قصّار و إخراج أحمد درويش الذي تعطّل تصويره لفترة طويلة بسبب نقص التمويل قبل أن يُستَكمل بدعم من المؤسسة و عُرِضَ في تظاهرة آفاق على هامش أيام قرطاج السينمائية سنة 2012 كما أعلن عن مشروع أحلام سينمائية سورية قصيرة و هو مشروع طموح لإنتاج أفلام روائية قصيرة لصالح التلفزيون و أُنتِجَت خلال دورته الأولى أربعة أفلام هي رياح كانون المبكرة لأحمد الخضر، 29 شباط لمهند كلثوم، جدارية الحب لأوس محمد و دون عنوان لأحمد سويداني و شارك بعضها في مهرجان روتردام و أيام قرطاج و سرعان ما تلقفت مؤسسة السينما هذا المشروع بعد انتهاء دورته الأولى و قد أثار حفيظتها أن تقدم مؤسسة الإنتاج التلفزيوني على إنتاج أفلام قصيرة لأن ذلك، حسب رأيهم، ليس من اختصاصها و أطلقت المؤسسة المشروع نفسه باسم مشروع دعم سينما الشباب و أقامت له مهرجاناً خاصاً أغرِقَت شاشاته بسيل من الأفلام القصيرة متواضعة المستوى و هذا نتاج طبيعي لتقليص القيمة المادية للمنحة و هو ما أدى بدوره لتقليص أيام التصوير من أربعة إلى يوم واحد فقط و قد تخلّت الإدارات المتعاقبة على مؤسسة الإنتاج عن طموح الإنتاج السينمائي و تفرغت لإنتاج المسلسلات متناسية أن الغالبية العظمى من المحطات و المؤسسات التلفزيونية في العالم تشارك بإنتاج الأفلام السينمائية لأهميتها الثقافية و التنويرية و الأجدى اليوم أن تعيد إدارة مؤسسة الإنتاج إحياء مشروع إنتاج الأفلام بدلاً من السكيتشات و الثلاثيات و الرباعيات التي لم يعد شكلها يتناسب مع طبيعة العصر خاصة أنها كجهة رسمية قادرة على عرض أفلامها جماهيرياً في صالات الكندي و تلفزيونياً عبر الفضائيات التابعة لها كما تقدر على بيعها للمحطات الخاصة و هذا يعود عليها بفائدة اقتصادية تغطي جزءً من تكلفة الإنتاج و ترفد السينما المحلية بأفلام مختلفة و متنوعة قادرة على خلق حراك سينمائي لائق طال انتظاره.

تعليقات
Loading...