fbpx

مزادات علنية لبيع التاريخ السوري في أسواق أوروبا!

0

“يا لسعادة من يرى خرابك يا تدمر”، جملة يتضمنها التلمود، ويسعى لترسيخها في أذهان الإسرائيليين الذين، حسب معتقداتهم، تكمن سعادتهم في مشاهدة خراب مدينة تدمر الأثرية التي ساهم فرسانها بتدمير الهيكل الثاني، على حد زعمهم، ومن هنا كان “الجنون” على “بالميرا”، وغيرها من الآثار السورية التي تحولت في ظل الإرهاب ليس فقط إلى خراب، بل إلى رماد حقيقي يصعب إعادة تشكيله، ومع الاعتراف بغياب التوثيق، لم تستطع مديرية الآثار إحصاء عدد الآثار واللقى التي سرقت من المتاحف وهرّبت خارج البلاد، ورغم وجود تقارير سابقة تعود لما قبل الحرب تؤكد رصد ميزانية بقصد عملية التوثيق، إلا أنه لم يتم تحقيق تلك الغاية لتكون آثارنا نتيجة ذلك دون هوية تثبت انتماءها في حال ترحيلها خارج حدود الوطن.

تورط تركي وإسرائيلي

منذ بداية سيطرة المجموعات الإرهابية على المواقع الأثرية، نشطت أعمال التنقيب غير الشرعي في كافة المناطق التي سيطرت عليها العصابات، والمواقع التي كانت خارج سيطرة الدولة، وأشار الدكتور محمود حمود، مدير مديرية الآثار والمتاحف إلى عمليات  التنقيب الممنهجة والمضبوطة  التي كانت تقوم بها العصابات، مؤكداً على وجود وثائق تثبت قدوم رجال أعمال أتراك إلى داخل البلاد لتمويل أعمال التنقيب في موقع دورا أوروبس “تل الصالحية” حالياً الواقع قرب البوكمال بدير الزور، وهو أحد المواقع الهامة والمميزة ذات الجذور الضاربة في عمق التاريخ، والعائدة للحقبة الهندستية والرومانية والبيزنطية، وإلى جانب الأتراك ثبت لدى المديرية وجود أشخاص إسرائيليين قدموا إلى الموقع ذاته، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن هذه الأعمال جرت عبر تدريبات وخطط صهيونية ممنهجة تهدف إلى تخريب المواقع، ونهب الكنوز الأثرية، ونقلها للكيان، وبيعها في المزادات العلنية بكل مكان في أوروبا، وأوضح حمود أن كل المواقع التي وقعت تحت سيطرة الإرهاب تعرّضت لتنقيب غير شرعي، وتوقع وجود ما لا يقل عن مليون قطعة أثرية نهبت من المواقع وهرّبت إلى مختلف أنحاء العالم، وقياساً على أعمال التنقيب، وما تظهره الأقمار الصناعية في بعض المواقع فإنه شيء مخيف جداً حقيقة، يقول الدكتور حمود: هناك عشرات الهكتارات نقبت بشكل وحشي في مدن عدة كأفاميا، وماري، وتظهر الصور التي قام برصدها فريق من المديرية أن هناك انتهاكات خطيرة لعدة مواقع منتشرة في الفرات، ومثلها في ادلب، والمدن المنسية– كما تسمى- حيث هناك ما لا يقل عن 700 مدينة منسية تتبع لمحافظتي حلب وادلب، وهي مبان كان يتم هدمها فقط من أجل أخذ بعض المنحوتات، وتيجان الأعمدة لبيعها وتهريبها، وأحياناً يتم أخذ الحجارة الأثرية وإعادة بنائها في المناطق التي تقع تحت سيطرة الإرهابيين، وآخر المباني المهدمة التي وصلت لمديرية الآثار، حسب التقارير منذ عدة أشهر- والحديث للمدير- موقع دير سنبل في إحدى المدن المنسية، إذ تعرّض للهدم، وهناك فيديو موثق عن الأشخاص وهم بكامل فرحتهم يقومون بالتهديم، في وقت تعرّضت درعا لاستباحة وهدم معالمها  عبر عمليات الحفر والتجريف، لاسيما في بصرى، في حين هدمت بعض المواقع فوق رؤوس الإرهابيين وهم يقومون بالتنقيب، وفنّد حمود حقيقة الفيديوهات التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي عن وجود تماثيل من ذهب في درعا، مبيّناً وجود موزاييك ومدافن مليئة بالأثاث الجنائزي واللقى والحلي.

هجرة بعثات التنقيب

أعمال التنقيب التي تقوم بها المديرية تحتاج لمئات السنين للوصول لجزء بسيط من التنقيب للمواقع المسجلة وغير المسجلة، هكذا عبّر الدكتور حمود عن قدرة المديرية بهذا المجال، وفيما يتعلق بالبعثات أفاد بأن ما لا يقل عن 140 بعثة أثرية أجنبية ووطنية كانت تنقب في كل المواقع، من بينها 100 بعثة أجنبية توقفت عن العمل خلال الحرب، إلا أن التواصل مازال مستمراً مع بعضها بغية إعادة التعاون، وفي هذا السياق أكد حمود على استمرار البعثة الهنغارية في التنقيب والترميم في قلعة المرقب بمساعدة المديرية، إضافة لقلعة الحصن التي تعرّضت للدمار ببعض أجزائها، في حين تقوم المديرية، بالتعاون مع اليونيسكو وآغا خان، بعمليات الترميم بقلعة حلب، وبالمقلب الآخر كانت لتدمر الحصة الأكبر في سورية بحجم الدمار إلى جانب الأبنية الأثرية في حلب، ونوّه الدكتور حمود إلى أنه وبعد تدمير معبد بل في تدمر بشكل نهائي لا يمكن استعادة إلا 30 أو 40% منه في حال الترميم، عازياً صعوبة إنعاشه إلى أن معظم منحوتاته تحولت إلى بودرة ورماد، وفي حال وجود نية للاستعانة بحجارة جديدة لإعادة البناء فإنه سيفقد رونقه وجلاله، وبالحديث عن تدمر أكد حمود على أن معبد بعل شمين، وقوس النصر، و8 مدافن برجية دمرت بشكل نهائي، إضافة للنهب الكامل للمدافن، والمتحف الوطني بعد عجز المديرية عن نقله، في حين أسفرت عمليات التنقيب غير الشرعية في المدينة عن لقى واكتشافات مهمة جداً تم تهريبها، عدا عن الأذى الكبير الذي لحق بالقلعة، وملتقى الطرق ذات الأعمدة المستوردة من مصر.

قانون ولكن

لم يخف على أحد كيف قام الجيش العربي السوري بحماية ونقل الآثار من تدمر، حيث تم نقل 400 منحوتة أثرية تحت وابل من الرصاص، وذلك أثناء احتلال الإرهابيين لتدمر أول مرة، وبعد دحر الإرهاب، يقول الدكتور حمود، قامت فرق المديرية بتقييم الأضرار، وتم نقل العديد من المنحوتات المهشمة والمحطمة، واللقى الأثرية، من بينها أسد اللات للمتحف الوطني بدمشق لترميمها من قبل اليونيسكو، والخبراء، والفنانين البولونيين الذين اكتشفوا “اللات” عام  1977، وجرى ترميمه أكثر من مرة على أيديهم، في حين قامت مديرية الآثار بنقل العديد من محتويات المتاحف إلى أماكن آمنة، ولكن لم يسعفها الحظ بنقل محتويات ومقتنيات متحف ادلب، وهو الأهم لاحتوائه على الأرشيف الملكي لمملكة ايبلا، ويقدر بحوالي 16 ألف تابليت، إضافة لآلاف اللقى المكتشفة بالمحافظة، والعديد من مواقعها، من ضمنها ايبلا، إلى جانب متحف الرقة، حيث هناك ما يقارب 6آلاف قطعة مسجلة، والآلاف غير مسجلة نهبت وسرقت إلى خارج البلاد، إضافة لمتحف درعا، وبصرى وقلعة جعبر، وموقع هيرقلا التي نهبت جميعها بالكامل، وأشار حمود إلى التواصل مع الأنتربول الدولي لاستعادة القطع، بالتوازي مع رفع دعاوى قضائية وقانونية في بعض الدول، وملاحقة بعض الجهات التي ثبت وجود منحوتات فيها كلندن على سبيل المثال، حيث تتم المطالبة بتمثال آشوري عرض للبيع بمزاد علني، ولأن الجزء الأول من التمثال المذكور كان قد اكتشف على يد بعثة ألمانية، فهي تساعد المديرية حالياً بإثبات هويته السورية، أما تركيا فهناك ما لا يقل عن 16 ألف قطعة اعترفت السلطات التركية بتهريبها إليهم، إضافة إلى ما هو موجود في الأردن، ولبنان الذي أعاد بعض القطع الأثرية، وهو الدولة الوحيدة التي تتعاون مع سورية بهذا الشأن، على حد تعبيره، ورغم وجود قرارين دوليين صدرا عن مجلس الأمن لمنع المتاجرة بالآثار السورية والعراقية، أفاد الدكتور حمود بأن لا أحد يكترث بذلك، حيث كل الدول تسمح بمرور هذه القطع، وإقامة المزادات على أراضيها.

آثار للبيع

انتهاكات حرمة الآثار لم تتوقف عند حد التنقيب والتهريب، بل تعدتها إلى عرض في الأسواق الخارجية، وعلى “عينك يا أنتربول”، الذي، كما شرح حمود، لا يمكنه منع عرض التحف واللقى باعتبارها اكتشافات جديدة لم يتم تسجيلها، وفي المقلب الآخر ساهم العرض الهائل للآثار في انخفاض سعر ومزاد قيمتها في الأسواق العالمية، ومع أن اليونيسكو وقفت مع المديرية بقوة، وأهلت كوادر لترميم بعض المناطق الأثرية، بيّن الدكتور حمود أنها لم تستطع الدفاع عن “المهرب”، عازياً ذلك إلى شرعنة وتنظيم معظم دول الغرب لعملية تجارة الآثار، وبالتالي فإن القطع الأثرية غير المسجلة، والتي ليست لها وثيقة، لا يمكن المطالبة بها، ولم يخف حمود حقيقة مشاركة بعض أبناء المجتمع المحلي من ضعاف النفوس في أعمال التنقيب التي جرت، إلى جانب التعاون مع الجهات الخارجية (تجار وعصابات الآثار) ممن سيطروا على تلك المواقع بفترة من الفترات لمنح رخص التنقيب مقابل تقديم نصف قيمة ما يتم اكتشافه للعصابات، ولدى المديرية وثائق لذلك في ماري ودير الزور.

خطوة متأخرة

واعترف حمود بأن عدم توثيق الآثار كان نقطة ضعف كبيرة جداً عمرها عشرات السنين، والخاصرة الموجعة التي تم استغلالها، حيث تتواجد آلاف القطع الموجودة في المستودعات غير الموثقة على الإطلاق، وغير الموصفة، لذلك، للأسف الشديد، والقول لحمود، لا نعرف عدد القطع الأثرية التي نهبت من متاحف تدمر، والرقة، وادلب، ولا نملك إحصائية بشأنها، وهناك الكثير من القطع التي كانت موجودة ومخبأة في المستودعات دون توصيف ودون توثيق، وحالياً تقوم ورش العمل المتخصصة في المديرية بتوثيق كل اللقى الأثرية المتواجدة في المستودعات، وبالتوازي يتم تأهيل الكوادر القادرة على الترميم، حيث تم إرسال 11 مهندساً وآثارياً لاتباع دورات تنظمها اليونيسكو لإعادة ترميم الأبنية واللقى الأثرية.

نقلا عن البعث

تعليقات
Loading...