fbpx

مدرج جبلة من أجمل الآثار الرومانية على الساحل الفينيقي

0

بدايةً لابد لنا من أن نؤكد ما ذكرناه في المقالات الأسبوعية التي نقوم بنشرها ضمن منهاج التعريف بالتاريخ السوري الحافل ومواطن قوته، والتي نسعى من خلالها للتأكيد أن سورية هي مهد الحضارات والثقافات، ونهدف إضافة إلى ذلك التأكيد على عراقة التاريخ السوري وأصالة السوريين الذين صدروا العلوم والثقافة إلى العالم، حيث إن انتشار الآثار العظيمة والأوابد التاريخية على كل الجغرافيا السورية دليل واضح على ثراء جميع المدن السورية وماضيها الحضاري التي تزخر بالمواقع الأثرية والممالك القديمة التي تعاقبت عليها بمختلف المراحل التاريخية، ونؤكد مجدداً أن الحضارة التي أسهم السوريون بصناعتها تشكل حلقةً مهمة في سلسلة الحضارة الإنسانية، وضمن هذا السياق فقد قدمنا في المقالات الأخيرة السابقة لمحةً موجزةً عن المعالم التاريخية في سورية وتطرقنا من خلال ذلك للحديث عن القلاع والحصون كأحد المعالم الأثرية المهمة في سورية، حيث عرضنا لمحةً موجزةً عن قلعة حلب وقلعة دمشق ثم انتقلنا للحديث عن القلاع في محافظة اللاذقية فاستعرضنا قلعة صلاح الدين وقلعة المهالبة ثم قلعة بني قحطان وقلعة المينقة، وما دمنا نتحدث عن القلاع في محافظة اللاذقية فأرى أنه من الضروري الحديث عن قلعة جبلة أو بالأصح مدرج جبلة الأثري.

ولمناسبة الحديث عن مدرج جبلة نبين أن مدينة جبلة قديمة تعود إلى العصور الكنعانية، عرفت قديماً باسم كابالا ورد ذكرها في بعض الآثار التي تم العثور عليها في مملكة أوغاريت، خضعت للآشوريين زمناً طويلاً ثم أصبحت تابعة لمملكة أرواد الفينيقية، حافظت جبلة على اسمها المشرقي الأصيل مع بعض التحريف البسيط منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، فقد ذكرتها النصوص الأوغاريتية باسم جبعلا ويعني اسمها البئر العميقة نظراً لانخفاض مستوى المياه الجوفية فيها وعمق آبارها، وفي العصور الهلينستية والرومانية والبيزنطية أصبح اسمها يلفظ على شكل كابالا لعدم وجود حرف العين في اللغتين اليونانية واللاتينية. ‏

بني مدرج جبلة على أنقاض معبد فينيقي وتم ترميمه في العهد الروماني، وعلى الرغم أنه لا توجد معلومات دقيقة مؤكدة حول تاريخ بنائه إلا أن بعض الباحثين يرجع تاريخ تشييده إلى عهد الإمبراطور البيزنطي جوستنيان مع أن هذا غير مؤكد حتى الآن، لكن من خلال دراسة معمارية لمسقط المدرج وزخارفه الهندسية ومقارنة مخططاته معمارياً مع المواصفات الهندسية لمثيلاته من الأبنية والإنشاءات خلال المراحل الزمنية المختلفة يمكننا القول إن بناءه يعود إلى القرن الثاني الميلادي.

يعد المسرح الروماني في جبلة خامـس أهم مـدرج أثـري فـي العالـم وواحداً من ثمانية مسارح أثرية تم اكتشافها في سورية، ويعتبر هذا النوع من الإنشاءات والأبنية من أشهر الفنون المعمارية السورية ويعتبر تتويجاً للتراث المعماري السوري.

يستوعب مدرج جبلة الأثري نحو 8000 شخص ويحتل المركز الثاني في سورية من حيث استيعابه للجمهور وسلامة بنائه بعد مسرح بصرى الذي يستوعب أكثر من 10000 متفرج، يقع المسرح وسط مدينة جبلة وفي الجهة الشرقية للمدينة القديمة بمحاذاة السور الروماني.

مدرج جبلة هو صرح ثقافي وحضاريٌ استثنائي ويمثل حالة متقدمة من الثقافة والفكر تروي أحجاره تاريخ هذه المنطقة ويشكل إضافة مهمة للمعالم التاريخية في سورية.

حول البيزنطيون مسرح جبلة إلى قلعة للدفاع عن المدينة أثناء الفتوحات العربية الإسلامية للمنطقة ويبدو أن المسرح قد بقي يستخدم قلعةً في العصور الإسلامية، نستدل على ذلك من المباني والإنشاءات التي أضيفت خلال تلك الفترات واللقى الأثرية من الفخار والنقود القديمة التي تم العثور عليها أثناء أعمال التنقيب ومنه أطلق على الموقع اسم القلعة، الذي بات المسرح يعرف به حتى وقتنا الحالي.

استخدم المهندسون والفنيون حجارةً كبيرةً ضخمةً عند بناء مدرج جبلة الذي يتكون من قسمين رئيسيين: هما المنصة وأماكن المتفرجين ويفصل كل قسم عن الآخر ساحة الأوركسترا، يبلغ قطر المسرح الأعظمي90 م تتوسطه ساحة نصف دائرية قطرها نحو 21 م تدعى الصحن، وفي وسطه قناة تصريف مياه الأمطار تمر من تحت منصة التمثيل، وجدارها الأمامي مزين بمحاريب ذات شكل نصف إسطواني، كما يوجد وراءها الكواليس التي لم يبق منها ما يدل على وجودها أصلاً وذلك بسبب الإشغالات التي تم إحداثها في مراحل زمنية متلاحقة إضافة إلى الاهتلاك والتخريب نتيجة عوامل الزمن والطبيعة.

أنشئ مدرج جبلة على أرض منبسطة وهذا يدفعنا لنتساءل كيف تم إنشاؤه؟ وكيف حصل المهندسون وقتها على الشكل النصف قمعي أو النصف مخروطي للمدرج؟ وكيف تم تركيب مدرجات الجمهور ما دام صحن المسرح قد أقيم فوق أرض منبسطة؟

يقدم مسرح جبلة الإجابة على هذا التساؤل بشكل واضح، فقد اعتمد المسرح أسلوب البناء فوق أرضية منبسطة كلياً على مستوى أرضية جميع الأقسام نفسها انطلاقاً من أرضية ساحة الأوركسترا المنبسطة على حين جاءت أماكن المتفرجين مرتكزة إلى العقود والأقواس المقنطرة والقباب، حيث يوجد عقدان حلقيان نصف دائريين: الأول محيطي أي خارجي كبير ومرتفع يرسم الاستدارة الكبرى المحيطية، والثاني داخلي صغير وأقل اتساعاً وارتفاعاً منه، ولإكمال الشكل نصف القمعي أو نصف المخروطي فوق هذين الدهليزين الحلقيين، أي فوق ظهرهما من جهة الخارج لا بد من إكمال الفراغ المتشكل بينهما بعقود معترضة محاورها تتوجه نحو مركز المسرح، أي إن هذه المحاور تلتقي في مركز المسرح ويتم ردم الفراغات المتشكلة بين ظهور هذه العقود جميعها لتحقق شكلاً قمعياً مثالياً ثم يتم تركيب درجات المدرج عليه، وتتأمن حركة الاتصالات داخل المسرح وعلى الدرجات بوساطة الرواق الرئيسي الذي يعطي المسرح الشكل الدائري وبمقاعد حجرية موزعة بشكل دقيق على الدرجات.
تم بناء المدرج على أقواس وعقود بشكل هندسي دقيق، تحمل عقوده 35 صفاً من المقاعد الحجرية تفصل بينها مسافات يمر من خلالها الجمهور أثناء حركته ضمن المسرح وذلك وفق هندسة مدروسة تتشابه إلى حد كبير مع هندسة البناء المتبعة في أيامنا هذه.

يدل بناء المسرح وتنظيم مدرجاته وعقوده وأروقته وأسلوب بنائه والمواد المستخدمة وتزييناته الحجرية على مهارة هندسية كبيرة تستند إلى عبقرية السوريين في ذلك العصر.

زار مسرح جبلة العديد من الباحثين والرحالة العرب والأجانب منهم على سبيل المثال الباحث الشهير أرنست رينان الذي زار جبلة عام 1860 م، وكان المسرح بحالة جيدة ووصف المدرج بأنه من أجمل الآثار الرومانية على الساحل الفينيقي، كما زاره فيما بعد الباحث الفرنسي رينيه دوسو عام 1895م، فوجده خراباً تملؤه الأتربة والأنقاض ربما يكون ذلك بسبب الزلازل المتلاحقة التي تعرضت لها المنطقة إضافة إلى التخريب الذي تسبب به الجوار الذين استخدموا حجارة المسرح المنحوتة والمشذبة في بناء البيوت السكنية المجاورة ما زاد في تخريب المسرح. ‏‏

في بداية القرن العشرين ازدادت حالة المسرح سوءاً وبات مكباً للقمامة والأنقاض ومخلفات البناء وعبث الأهالي بحجارته وأعمدته، واستعملت أروقته ودهاليزه مستودعات وورشات متنوعة ومحلات تجارية وأقيم فوقه داران اتخذت إحداها سكناً للمستشار الفرنسي والأخرى لقائد الدرك، وأصبح المسرح مغموراً بالردميات.

بعد استقلال سورية وجلاء الفرنسيين بدأت المديرية العامة للآثار والمتاحف بأعمال الترميم وكشف المدرج وإظهاره وتم هدم مخالفات البناء والمنشآت المحدثة التي أقيمت عليه وتم ترحيل كميات كبيرة من الأتربة والأنقاض التي تراكمت فيه كما تم هدم الدارين اللتين بنيتا فوقه‏، وقامت باقتلاع أشجار الميس التي كانت تحيط بالمكان وتغيرت معالم المنطقة المحيطة به تدريجياً حتى أخذت شكلها الحالي، وغدا المدرج يحظى بإعجاب كل من زاره سواء من داخل سورية أو من خارجها. نقطة مهمة أود أن أشير إليها وهي: إلى أي شيء يشير بناء المسارح في سورية وكثرة عددها؟ ألا يشير ذلك إلى وجود بيئة ثقافية وفنية متقدمة في المدينة؟ ألا يوشر ذلك إلى الذائقة الفكرية والثقافية المرتفعة التي ميزت السوري منذ نشأة المدن السورية كحاضرات ثقافية متقدمة؟

ألا نستدل من اتساع المسارح وقدرة استيعابها الكبيرة على الإقبال الكبير لمتابعة العروض المسرحية والرياضية والموسيقية، إضافة إلى الدور المهم الذي تقوم به هذه المسارح من الناحية الاجتماعية والدينية والسياسية والتي كانت تشهد اجتماعات ونشاطات عديدةً متنوعة. إن وجود المدرج الروماني في جبلة وسعته واستيعابه الكبير للجمهور دليل قوي وبرهان واضح على الدور الثقافي والحضاري الذي لعبته جبلة منذ القدم، ومؤشر مهم على أن مدينة جبلة ومنذ العصر الروماني كانت حاضرة ثقافية مهمة تنافس كبريات المدن الرئيسية في تلك الفترة.

وهذا ما يدفعنا للتأكيد مجدداً أن السوريين متشابهون مهما اختلفت ألوانهم وهم أبناء ثقافة واحدة وإن كانت ذات طيف واسع، وتاريخهم مشترك وإن كان متنوعاً، وهدفنا من ذلك أن نؤكد أهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه الثقافة السورية بكل أصنافها كأرضية مشتركة للسوريين والتي يمكن أن تسهم في الدفع باتجاه تقريب وجهات نظرهم وتوحيد جهودهم، وهي معقد الآمال والثقة في هزيمة مشروعات التقسيم التي تستهدف شخصية الأمة وهويتها وتاريخها قبل أن تستهدف حدودها وجغرافيتها.

وهذا ما نهدف إليه من خلال هذه المقالات الأسبوعية التي نقوم بنشرها إضافة إلى التأكيد أن المدن السورية كافةً كانت مركز إشعاع حضاري للبشرية جمعاء، وأن كل حضارة في العالم يجب أن تدين بالولاء للحضارة السورية.
نقلا عن الوطن

تعليقات
Loading...