fbpx

الصحافة الورقية في سورية… سؤال عن الدعم بعيداً عن «شراء الذمم»

0

يوماً ما قال نابليون «أخاف من ثلاث صحف أكثر مما أخاف من مئات الآلاف من الطعنات بالرمح»، فماذا لو كان موجوداً اليوم ونحن نشهد الأخبار السريعة والمضطردة عن تراجع واختفاء الصحافة الورقية… هل كان سيضحك بملء الفم أم سيأسف على حال السلطة الرابعة؟

لا بديل!

طبعاً هذا الكلام لا ينتقص من قيمة الصحافة الإلكترونية، ولكن يصعب التأقلم مع فكرة وجودها كبديل للورقية الآن وغداً، عدا عن حاجتها للوقت لتصبح سلطة حقيقية تشبه سلطة الصحافة الورقية التي أسقطت حكومات وأنهت حروباً وألهمت شعوباً… والعكس صحيح!

إذاً، مهما تعددت وسائل الإعلام الإلكترونية والمرئية فلن تكون يوماً بديلا نهائياً عن الصحف، لا التلفزيون ولا الإذاعة على أهميتها تستطيعان أن تحلا محل الصحيفة المقروءة، فللقراءة الورقية متعة خاصة وللصحف الورقية قدرة مميزة على تسليط الضوء بطريقتها الخاصة لتشير إلى المواضيع المهمة والإشكالية.

فتحليل الخبر، التعليق عليه، تناول خلفياته وأبعاده، إغناؤه برأي المعلقين والمحللين والخبراء، وتوسيع مروحة التغطيات والتحقيقات إلى قضايا محلية وعالمية، لا يمكن إلاّ للصحافة المكتوبة أن تقوم به. هذه الركيزة الورقية التي تأخذ مسافة عن الحدث للتمعن فيه، وتمرّره في المصفاة المهنية لتنقيته من الشوائب، ثم تقدّمه في قالب يسمح للقارئ بالتمييز بين الخبر المهم والأقل أهمية، وتضيء على خلفياته بشكل شفّاف ومن مصدر معروف، وتسمح بالعودة إليه والتمعن فيه بسهولة… إنّها ميزات الصحافة المكتوبة التي تجعلها متقدّمة على غيرها من الركائز الإعلامية الأخرى.

تجربة لم تكتمل!

في سورية لم تكن تجربة الصحافة الورقية مشجعة دائماً، حيث ارتبطت الصحافة الورقية بالصحف الرسمية الثلاث، التي تعدّ مؤسسات قطاع عام تديرها وتمولها وتتحكم بها الدولة ككل المؤسسات العامة الأخرى.

أما الصحف الخاصة فلم تكن بأحسن حال، على الأقل خلال ما يقارب نصف قرن كانت مغيبة خلاله، لتعود مع بداية الألفية الجديدة ولكن بمستويات مختلفة، ولتشهد تراجعاً كبيراً مع انطلاق الأزمة، واختفاءً قسرياً لبعضها بسبب الحرب، حيث توقفت عن الصدور سواء بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة، وغياب الدعم الحكومي أو حتى بسبب عدم وجود الدعم المعنوي الذي يساعد على استمرارها، فهل من الممكن أن تعطي الحكومة في مرحلة إعادة الإعمار حصة لتلك الصحف وتقوم بدور حقيقي في دعمها، لمنع تساقطها واحدة تلو الأخرى؟؟

مقترحات لبنانية

تراجع وجود الصحف ليس مرتبط بسورية وحدها، فمن المعروف أن الصحف تراجعت بشكل ملحوظ في كل أنحاء العالم، إلا أن هناك محاولات جادة من تلك الدول لإنقاذها، في لبنان مثلا اقترح وزير الإعلام مؤخراً قانوناً خاصا بوسائل الإعلام المطبوعة، وتضمن اقتراح القانون إعفاءات ضريبية، بلدية ومالية وجمركية، وقد يُلحَق بمرسوم لرفع سعر الإعلان الرسمي في الصحف. وبيّن الوزير اللبناني أن «كلّ الاقتراحات لا تُكلّف الدولة ليرة واحدة، وأن المبلغ الذي ستوفره الصحف قد لا يكون كبيراً، ولكنه رسالة معنوية بأنّنا نحترم الإعلام وعمله، وأكثر ما يهمنا، في هذه الظروف الاقتصادية، أن تشعر المطبوعات الورقية بأننا إلى جانبها».

للوقوف على واقع الصحافة المكتوبة في بلد مثل لبنان يقول الصحفي كمال شاهين أن صحف لبنان أيضاً أغلق قسم كبير منها، أما ما يصدر منها اليوم فهو أيضا مهدد بالإغلاق، فأقدم صحيفة عربية حتى الآن هي النهار وهي تعدّ مؤسسة إعلامية عريقة (بغض النظر عن التاريخ والموقف السياسي) باعت مبناها الرئيسي لشركة سوليدير، وأوقفت عدة ملاحق لها، وهي اليوم تطبع وتوزع بكل لبنان ولكن بأعداد أقل من السابق بكثير، وذلك لأسباب مالية، حيث توقف تمويلها والدعم الذي كان يصلها سواء من الإعلانات أو الخليج أو بلدان أخرى، وهي حاليا في طريقها للإقفال الورقي، على أن يبقى موقعها الإلكتروني فقط، حيث وجدت على ما يبدو أن وارد الإعلانات ممكن تحقيقه إلكترونيا بشكل أفضل فطرحت تطبيق موبايل مجاني، إلا أنها في الوقت نفسه طرحت نظام تزويد مشتركين بأخبار خاصة إلكترونيا باشتراك (1 دولار) شهريا.

ويضيف شاهين «الأخبار» أيضاً في طريقها إلى الإغلاق، بعد أن قلصوا نفقاتهم ومراسليهم، والبناء كذلك، والاتحاد توقفت بعد 62 عددا، في لبنان ما تبقى من صحف هي فقط من لديها علاقات مالية مع الخارج، ولذلك تتم اليوم المطالبة بقانون لبناني يدعم تلك الصحف.

مشيراً إلى أن الحكومة في سورية تدعم القطاع العام فقط أي أبواق الحكومة، ولا يوجد دعم حقيقي لصحف أو مجلات باستثناء مجلات وزارة الثقافة أو بـ «الشحادة أحياناً»، ويرى شاهين أن موضة الورق انتهت أصلا ولا داع لدعمها ماديا حتى لا يكون ذلك بابا جديداً للفساد.

من يقف إلى جانب صحفنا؟

نحن في سورية أيضاً نبحث عمن يقف إلى جانب صحفنا، أسوة بلبنان الذي استفاق مؤخراً، حتى لو بدعم معنوي، فالصحف مشاريع غير ربحية ولاشبد من تقديم التسهيلات الممكنة لدعمها والحؤول دون موتها.

ومثالاً على الواقع الذي دفع بعض الصحف والمجلات للتوقف عن الإصدار أكد رئيس تحرير مجلة أبيض وأسود أيمن الدقر، أن المجلة صدرت عام 2001، وهي المجلة السياسية الوحيدة المستقلة في سورية.

يضيف الدقر: تم إيقاف صدورها عام 2012 لأسباب مادية، فبعد بداية الحرب على سورية توقفت أغلب وسائل الإنتاج الخاصة عن العمل، مبيناً أن الصحف والمجلات لا تغطي نفقاتها المبيعات، بل الاشتراكات والإعلانات، وفي العام 2012 لم يعد هناك من يعلن عن إنتاجه، ونقصت الاشتراكات كثيراً، مما أدى في النهاية إلى عدم قدرتنا على تمويل صدور المجلة، أي أن الأسباب مادية، خاصة وأن مجلتنا كانت لا تتوقف عن الصدور، وكنا نصدر 50 عدداً في السنة المؤلفة من 52 أسبوع، وكانت عدد صفحاتها 32 صفحة ملونة، ولدينا 9 صحفيين متفرغين في مكتب دمشق، هذا عدا عن مكتب حلب والمراسلين الذين يعملون معنا في كافة المحافظات، إضافة إلى ذلك القسم الفني المؤلف من مخرج ومنضدين ومدقق لغوي إضافة إلى الخدمات… سيارة وسائق من أجل توزيع المجلة أسبوعياً، وباختصار كانت هناك نفقات كبيرة مترتبة على المجلة، جميع هذه النفقات كانت تموَّل من الاشتراكات والإعلانات، وعندما توقف التمويل… توقف صدور المجلة.

وزارتنا دعمت صحف لبنانية

حال «أبيض وأسود» لا يختلف عن حال العديد من الصحف والمجلات السورية التي أغلقت بمعظمها لأسباب مادية، وصحيفة «بلدنا» السورية إحدى أهم التجارب الناجحة في سورية خلال سنوات ما قبل الأزمة وما بعدها حتى توقفها عن الصدور في العام 2013، إلا أن هذه التجربة الناجحة لم تكتمل هي الأخرى.

لكن اللافت هنا أن غياب الدعم الحكومي للصحف والمجلات الورقية السورية، قابله في بعض المراحل دعماً لصحف غير سورية، فوزارة الإعلام السورية كانت نفسها تدعم بعض الصحف اللبنانية وتمنع هذا الدعم عن بعض الصحف والمجلات السورية، كأنها لا تعتبر وجود صحفنا مؤثرا أو ضروريا!

يقول عضو مجلس الشعب نبيل صالح في هذا السياق: دعمت وزارة الإعلام في وقت سابق الصحف اللبنانية أحيانا، كالديار والأخبار، وحتى لو كان دعماً بسيطاً (حوالي 125 ألف ليرة شهرياً) كونهم مع خط المقاومة، وتوقف هذا الدعم فيما بعد لأسباب تتعلق باختلاف سياسات تلك الصحف. أما دعم الصحف السورية فهذا يكون بقرار جماعي في دعم صحيفة ما أو لا.

في الوقت نفسه لا يجد صالح أن دعم الصحف أو اقتراح قانون لدعمها، قانونياً ويقول «كأنك تشتري صوت الإعلام الحر، مبيناً أنه ضد أي تمويل غير تمويل الصحيفة الذاتي، لأن أي محاولة تمويل ستكون على حساب حرية الصحافة، فالصحافة المأجورة هي فقط التي تجمع المال مثل (الديار)».

لكن تجارب في بلدان أخرى قد تقدم إثباتاً آخر: العديد من الدول الغربية تعمد إلى تقديم مساعدات مباشرة أو غير مباشرة لصحافتها المكتوبة.

ففي دراسة لديوان المحاسبة في فرنسا يتبيّن أنّ حجم المساعدات الحكومية للصحافة المكتوبة في فرنسا بين عامي 2009 و2011 بلغ 5 مليارات يورو. وكانت فرنسا منذ عام 1796 تبنّت مبدأ مساعدة الصحافة، وتتنوع هذه المساعدات بين مباشرة وغير مباشرة، ومنها في التوزيع والتجهيز والتطوير والإعلان والإعفاءات الضريبية المتعددة.

صحيح أنّ أزمة الصحافة السورية أو العربية تختلف عن زميلاتها في الدول الغربية، إذ إنّ نسبة قرّاء الصحف في سورية قد لا تتخطى 1% في أحسن التقديرات، فيما هي في ألمانيا مثلا 76%. لكن رغم ذلك لا بدّ من خطة دعم للصحافة المكتوبة يكون من شأنها إعادة ازدهار هذه الوسيلة سواء من ناحية القرّاء أو من ناحية ازدهار ناشري الصحف.

الأجواء المناسبة!

من جانبه موسى عبد النور، رئيس اتحاد الصحفيين يؤكد أن وجود الصحافة الخاصة أمر مهم جداً، لتأخذ هذه المؤسسات دورها مع صحف القطاع العام في تسليط الضوء على قضايا مكافحة الفساد والإنجازات أي السلبيات والإيجابيات، وتنوع الصحف يعطي غنى وتغطية أفضل.

مبيناً أن وزارة الإعلام تدعم الإعلام الرسمي، ويكون الدعم بالنسبة للقطاع الخاص بتأمين الأجواء المناسبة للعمل الإعلامي بما يتوافق مع الدستور، أما الدعم المالي فهذا موضوع يتعلق بوزارة الإعلام نفسها.

ويرى عبد النور أن دعم وزارة الإعلام للصحف الخاصة يمكن أن يؤثر على السياسة الإعلامية لتلك الصحف، فالمال له تأثيره، والتمويل يجب أن يكون ذاتيا وسوريا وبعيدا عن الدعم الخارجي.

مضيفاً: الدعم مرهون بصاحب المشروع، والمال المرهون في الإعلام خاسر، فغالباً ما يكون التمويل من هنا أو من هناك، وفي النهاية الإعلام رسالة وأهداف وليس مشروعا تجاريا، ومن الممكن أن تدعم الوزارة الصحف أسوة بالمقترح اللبناني، فإذا كان الموضوع وطني ويضمن تسهيلات وإعفاءات من الممكن أن يطرح بتنظيم من وزارة الإعلام، أو رئاسة مجلس الوزراء، وبالتالي يأخذ طريقه القانوني ولا يكون الدعم متوقفاً على مزاجية المسؤولين.

كي تستطيع معاودة الصدور

من جانب آخر يرى أيمن الدقر أن على الحكومة تقديم مساعدات للصحف والمجلات الخاصة كي تستطيع معاودة الصدور، وهو أقل ما يمكن أن تقدمه الحكومة، ويمكن أن تكون هذه المساعدات عن طريق إعلانات مؤسسات القطاع العام، ووقف ضريبة الدخل المفروضة عليها، فقد كانت الضريبة غير منطقية على الإطلاق، وكانت عشوائية وغير مدروسة، ويعطي مثالاً:

كانت هناك صحف إعلانية تقبض قيمة ما تنشره على صفحاتها كالدليل والوسيط وغيرها، وكانت هذه الصحف تعامل بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع المجلات والصحف التي تدفع قيمة ما تنشره على شكل استكتاب، أي أن صحف تقبض قيمة ما تنشره، وأخرى تدفع استكتاباً ورواتب قيمة لما تنشره، وكان الجميع يعامل بنفس الطريقة!

ويشير الدقر إلى أنه كان في لجنة صياغة قانون الصحافة قبيل الحرب، كذلك عضواً في لجنة صياغة قانون الإعلام التي شكلت في العام 2011 بعيد الحرب، وقد أثار عدة مرات هذه القضايا، ومن الواضح إلى أن ذلك لم يفض إلى نتيجة.

مواضيع «الأيام» الجريئة

اتحاد الصحفيين يرى أن دوره هو تأمين الأجواء المناسبة لممارسة العمل الصحفي في جو مثالي، ويؤكد رئيس الاتحاد أنهم استطاعوا القيام بذلك، وتأمين تلك الأجواء ومثاله على ذلك «صحيفة الأيام» حيث قال: «في (الأيام) تنشرون المواضيع الجريئة والتي لم تنشر سابقاً، ولم نكن معتادين على هذه الأجواء سابقاً، ما يعني أن الأجواء مناسبة اليوم، طبعاً مع ضرورة وجود الوثائق واتباع المهنية في العمل».. وعند سؤاله عن التضييق الذي تعرّضت له «الأيام» نفسها عندما حاولت محافظة دمشق إغلاق مقرّها، ولم تجد اتحاد الصحفيين إلى جانبها يقول عبد النور: «هذا إجراء له علاقة بالمحافظة وليس له علاقة بأجواء الإعلام، ولا أستطيع التعليق على الموضوع لأنني لم أطلع على تفاصيله»!.. بالمقابل، قام اتحاد الصحفيين بخطوة مهمة من شأنها فعلا تسهيل العمل لصحفيي القطاع الخاص ولو أنها متأخرة، وهي تعديل القانون الداخلي للاتحاد ليصبح بإمكان صحفيي القطاع الخاص أن يكونوا متدربين ثم أعضاء عاملين في الاتحاد بدل من تسميتهم مشاركين فقط، وطبعا بشروط معينة، واتخذ هذا القرار في المؤتمر العام الأخير للاتحاد، وأقر التعديل المناسب في الشهر الرابع من العام الجاري، ودعا عبد النور عبر «الأيام»، جميع العاملين في القطاع الخاص للانتساب للاتحاد وتحقيق الشروط المطلوبة.

لنهوض حقيقي ودور متجدد

ربما من الصعب اليوم أن تقدّم الحكومة دعماً مادياً للصحف والمجلات الخاصة في سورية، وهي التي لم تستطع دعم المواطن ليستطيع تأمين قوت يومه بكرامة، لكنها في الوقت نفسه تستطيع أن تخفف بعضاً من ضرائبها على تلك الصحف، أو أن تساندها معنوياً، خاصة وأن مرحلة إعادة الإعمار القادمة والتي من المفترض أن تشمل إعادة تأهيل المجتمع والمؤسسات والوزارات، لن تتم إلا عبر إعلام حر يسلط ضوءاً ساطعاً على كل ركن يحتاج إلى الإصلاح، وتحمل الصحف لاسيما الخاصة منها، دوراً رئيسياً وجوهرياً في هذا الموضوع، فتسهيل عمل الصحف والحفاظ على وجودها لا بل زيادة أعدادها، هو الذي سيجعل نهوض سورية حقيقياً ومبنياً على أسس سليمة.

إنّ دور الصحافة التقليدية اليوم لا يقل عن دورها التاريخي، فالصحافة المكتوبة هي مرادف للحريات العامة وللنظام الديموقراطي الذي تبتغيه وتنشده سورية، وغيابها هو تغييب لثقافة التعدد والحريات العامة ولحرية القول والفكر والنقد. إنّها ميزات تعطيها الصحافة المكتوبة كامل الدور، لذلك غياب الصحافة الورقية يحمل مخاطر على البلاد الساعية نحو الانفتاح والديمقراطية، ويحرمها أحد أجهزتها الرئيسية.

هذه الميزات للصحافة الورقية تجعل الدول عموماً تعمل على دعمها لضمان استمرارها. ومن هنا لابد من اعتبار المؤسسات الإعلامية، مؤسسات ذات منفعة عامة، لأنّها تخدم الجمهور وتضمن بعض آليات الممارسة السياسية، وبالتالي فإن استمرارها حاجة عامة. أمّا سكوتها أو إقفالها فيهدّد قوة البلاد ومنعتها و»ديمقراطيتها» المأمولة.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...