fbpx

العنوسة لدى الإناث… داء المجتمع السوري الجديد أم مرحلة عابرة؟

0

في إحدى مجموعات «التعارف» على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» التي تضم آلاف الفتيات من معظم البلدان العربية، نشرت إحدى الفتيات الأردنيات أنّها ترغب بالزواج من شاب سوري، لم يستغرق الأمر دقائق لتنهال عليها فتيات سوريات تطالبها بالابتعاد عما تبقى من الشباب السوريين.

ربما يثير الأمر ضحك البعض لكنه في الحقيقة يفسر واقع قلة الشباب في سورية بعد مضي 8 سنوات من عمر الأزمة.

لا تميّز الحرب بين بيت فُنِي عُمر صاحبه ليبنيه وبين قلب فتاة كانت تتجهز للزواج وتصبح أُمّاَ، كلاهما يتحطم أمام ثمان سنوات عاش السوريون فيها كل أشكال الموت والإرهاب، حيث تزداد نسبة العنوسة في المجتمعات التي تتعرض للحروب والأزمات التي تدمِّر سبل عيش السكّان وتقضي على مواردهم، فضلاً عن ارتفاع الضحايا الشباب بفعل العمليات القتالية وإصابة آخرين إصابات تتسبب بعاهات دائمة، أمّا السفر فهو السبب المهم الآخر الذي تولِّده الحرب أيضاً.

نسبة العنوسة لدى الإناث تجاوزت 70%

أحد أهم شروط الزواج وتأسيس عائلة هو توفر العمل والمسكن، في وقت بات يستحيل على الشاب شراء المنزل والأثاث، فضلاً عن انتشار البطالة بنسبة كبيرة، الأمر الذي أدى إلى عزوف الشباب عن الزواج، أما السببين الرئيسيين لارتفاع نسبة العنوسة في الحرب فهما موت وإصابة عدد كبير من الشباب من جهة وهجرتهم من جهة أخرى، حيث وصلت النسبة لدى الإناث إلى أكثر من 70% حسب مصادر قضائية بدمشق.

كما أشارت دراسات ذات صلة إلى ازدياد التردي الأخلاقي في المجتمع خلال فترة الأزمة، وممارسة الجنس خارج الإطار الشرعي بسبب سهولة إيجاد علاقات جنسية غير شرعية للشاب، الأمر الذي جعلهُ يؤجل خطوة الزواج وربما يلغيها، وبالتالي ارتفاع مستوى العنوسة أيضاً.

التواصل الاجتماعي وعلاقته بالعنوسة!

مصدر قضائي بدمشق أكد في حديث مع «الأيام» أن أكثر من نصف حالات الطلاق التي وصلت العام الفائت إلى 31% بعد أن كانت قبل الأزمة 18%، حدثت بعد ملاحظة أحد الزوجين بأن الآخر يبني علاقات مع نساء أو رجال آخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يسهل التعارف واللقاءات وبناء العلاقات غير الشرعية، الأمر الذي زاد خوف العازبات أن يصل فيهن المطاف إلى الطلاق، حيث اتخذت المحكمة إجراءات بإرسال الزوجين إلى مراكز إصلاح أسرية، الأمر الذي حقق نسبة جيدة من الإصلاح، إضافة إلى ذلك كانت رغبة أحد الزوجين بالهجرة خارج البلاد ورفض الآخر، أو سفر الزوج وعدم قدرته على لم الشمل بسبب قوانين البلد الأجنبي المتواجد فيه، أحد أهم أسباب الطلاق.

المنجمِّون يجنون الذهب!

عليك أن تنتظر لساعتين على الأقل قبل الدخول إلى منزل أحد المنجمّين الذين باتوا معروفين في اللاذقية لتعرف ماذا يخبّئ لك القدر مقابل «اللي بيطلع من خاطرك» (500-1000 ليرة)، أكثر من تسع فتيات دخلنَ وخرجنَ، والبسمة مرسومة على وجوهِهنَّ.. عند دخولي إلى غرفة المنجم بادرته بالسؤال على الفور عن سر تلك الابتسامات، ليبتسم هو الآخر قائلاً «موعد زواجهنّ اقترب حسب ما أتت الرؤية لدي»، مضيفاً أنّ معظم روّاده من الفتيات ولديهنّ سؤال وحيد هو «متى سأتزوج»؟

«شباب هالأيام»

لا مشكلة لدى سناء (41 عاما) بالاعتراف بتقدمها بالسن من دون زواج بعد خطبتين فاشلتين، كما أنّها تتجرّأ لتصف الشباب في هذه الأيام بأنّهم «لا يملكون الحس بالمسؤولية من أجل الزواج وغير مهتمين بتكوين أسرة»، موضحةً أن السبب يعود إلى وجود عدد كبير من الفتيات مقابل عدد أقل من الشباب الذين يطلقون وعودهم بالزواج مقابل إقامة علاقات غير شرعية تحت مسمّيات كثيرة. مشيرة إلى أن «شباب هالأيام باتوا يتدللون حتى في اختيار صديقاتهن».

علم النفس: العنوسة ليست حكراً على الإناث

الأخصائية النفسية والأستاذة في كلية الآداب (قسم علم النفس) بجامعة دمشق ميلانا زين الدين أوضحت لـ «الأيام» أن العنوسة ليست حكراً على الإناث فقط، بل الذكور أيضاً يُطلَق عليهم الاسم في سنٍّ معين، إلا أنَّ مجتمعنا الشرقي خصّص مصطلح العنوسة للإناث، موضحة أنَّه قبل الحرب في سورية وفي بلاد كثيرة لا تحوي أزمات وشروط الزواج ميسرة تختار الإناث عدم الزواج لقناعات معينة، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنّ الضغوطات النفسية التي ولّدتها الأزمة أثّرت سلباً على قرار الزواج لدى الشاب أو الفتاة حيث يعتبر الزواج مسؤولية جديدة وتقييد في وقت لا يحتمل كثير من الشباب السوري ضغوطات إضافية.

وأشارت زين الدين إلى أن الفتاة المتعلِّمة عموماً لا تلاقي نفس حجم المشكلة مع العنوسة مقارنة مع الفتاة التي لم تكمل دراستها أو تعمل، فتشعر الأخيرة بأنّها تشكِّل عبئاً على أسرتها ما يدفعها إلى الهروب من واقعها عبر الزواج.

الكثير من مراجعي الأخصائية النفسية ميلانا زين الدين لا يعانون من العنوسة، إنما لم يعد لديهن مشكلة مع ظروف الشاب المتقدّم للزواج إذا ما كان فرق العمر كبيرا أو وضعه المادي سيئاً أو أنه متزوج سابقاً، أو حتى إذا كانت سمعته سيئة، الأمر الذي سبب ضغطاً نفسياً جديداً عليهنَّ من قبل المحيط، ولفتت ميلانا إلى أنّ الإنسان يميل -بالعموم- خلال فترات الحروب والأزمات إلى تخفيف الضغوط والزواج على الرغم من أنّه يُعد عامل استقرار، إلا أنه يُعدّ ضغطا كبيرا من خلال الالتزام المادي والالتزام بشريك، إضافة إلى تحمل مسؤولية الأطفال، لذلك بدأ الشباب يعتبرون الزواج مرهقا خاصةً وسط الظروف المعيشية الصعبة.

فرص العمل مفقودة…

أحمد (33 عاما) سافر قبل شهر إلى روسيا لإكمال الدراسات العليا، تخرج قبل 12 عاما من كلية الإعلام في جامعة دمشق وعمل بعشرات المواقع الإلكترونية والإذاعات من فترة تخرجه إلى ما قبل سفره، إلا أنه قرر السفر لعدم وجود فرصة عمل تناسب الدخل اللازم لشاب على أبواب الزواج.

يقول أحمد «أعلم أنّي قررت السفر في وقت كان يجب فيه الزواج، إلا أن الزواج بات يتطلب الملايين ولا أملك المال لذلك، على أمل أن أستطيع العمل في المهجر لجني المال وبعدها ربما أستطيع الزواج».

التحصيل العلمي… بين تأخر الزواج والعنوسة

يتميز الشريط الساحلي بما فيه (اللاذقية – طرطوس – جبلة – بانياس) بارتفاع نسبة التعليم، حيث تعدّ الأمية في الساحل السوري بأقل مستوياتها على مستوى الوطن العربي إجمالاً، مترافقاً مع وعي اجتماعي أعلى، مقارنة مع مدن الداخل والمناطق الشرقية، كون سكان المدن السياحية على احتكاك دائم مع شرائح مختلفة من الزوّار على اختلاف انتماءاتها، مما يكسبهم مرونة أكثر في الحياة الاجتماعية والانفتاح الفكري، الأمر الذي ينعكس هو الآخر على سن الزواج لدى الشباب والفتيات في الساحل، حيث يرتفع سن الزواج للمتعلمات إلى سن 29 عاما من دون أن تشعر الفتاة أنّها دخلت مرحلة العنوسة، في حين أن السن ذاته يعدّ في كثير من مناطق الداخل سنّ عنوسة، علماً أن رغبة الشباب بالزواج من إناث متعلمات أعلى من الأخريات.

القضاء الشرعي يساهم في حل المشكلة!

مصادر قضائية من المحكمة الشرعية بدمشق تقول إنّها لاقت في ظل ازدياد نسبة العنوسة وضمن قانون الأحوال الشخصية حلّاً من الممكن أن يكون مجدياً، حيث تقول إحدى مواد القانون «يجوز للقاضي بأن يسمح لمتزوج أن يتزوج على زوجته ضمن شرطين هما المسوغ الشرعي والقدرة على الإنفاق»، حيث يبرز دور المحكمة الشرعية بعدم التدقيق على الشرطين السابقين، إلا أن كثير من النساء المتزوجات اعتبرنَ هذا الحل مشكلة بحد ذاته من باب الغيرة على أزواجهنّ وعدم رغبتهنّ بمشاركتهنّ لأزواجهنّ زوجة ثانية.

علم الاجتماع: إيجابيات العنوسة

عادة ما تتفرغ المرأة المتزوجة في معظم وقتها للاهتمام بشؤون الأسرة والمنزل والأولاد، ما يجعلها تبتعد عن ميادين العمل والإنتاج، إلا أن الدكتور في علم الاجتماع بجامعة تشرين إبراهيم ملحم يرى أن الإناث اللواتي لا يتزوجن يتفرغن بشكل أكبر للعمل، وللدخول في كافة مجالاته حتى أنه في كثير من المواقع شغلت الإناث المكان الذي اعتاد المجتمع أن يراه مشغولا من قبل الذكور، كما تساهم بتحرير ما يسمى العمالة الناعمة -قاصداً عمل المرأة- إلى عمالة نوعية، إضافة إلى عملها الخاص، الأمر الذي اعتبره ملحم أنّه الإيجابية الوحيدة للعنوسة.

ويوضِّح ملحم أن سبب العنوسة في كثير من الحالات هو مطالبة الفتاة بمهر عالٍ لاعتقادها أن المهر دليل على المحبة أو من باب العادات والتقاليد البالية، مبيّناً أن المجتمع السوري يعد مجتمعا أنثوياً قبل الأزمة وزاد الأمر بشكل واضح بعدها.

ولفت ملحم إلى أن ظاهرة الزوجة الواحدة ما زالت هي الأعم، على الرغم من أن مصدر التشريع في القانون السوري هو الإسلام الذي يتيح للرجل الواحد أربع زوجات، موضحاً أن الوعي الاجتماعي في سورية أكبر من الوعي الديني، بالإضافة للنظرة الاجتماعية لمن يتزوج أكثر من زوجة، نظرة دونية خاصة في حالات عدم وجود مبرر مثل المرض أو عدم الإنجاب حال دون الرغبة بالزواج مرة ثانية وبالتالي زيادة نسبة العنوسة.

علاقة حب عمرها 6 سنوات تنتظر التتويج

تخرَّج كرم وصديقته مرح من كلية الهندسة المعمارية منذ ست سنوات، ارتبطا بعلاقة حب وقررا الزواج لاحقاً، حتى اليوم لم يحن الموعد حسب وصف كرم حيث يقول: «راتبي الوظيفي لا يتجاوز 35 ألف ليرة سورية، وأعمل عملاً مسائياً بنفس الأجر تقريباً، وإذا قررت الزواج عليّ استئجار منزل ويلزمني على الأقل 200 ألف ليرة لألبي متطلبات المنزل، لذلك اتفقت مع صديقتي على الزواج عند تحسن الأوضاع.

من جانبها تقول مرح: «أٌقدِّر الوضع المعيشي جيداً، لذلك قررت السعي مع كرم لتحسين الوضع المادي ولو استغرق ذلك عشر سنوات قبل زواجنا طالما أن الحب موجود».

أمّي…

تستيقظ آلاء (29عاماً) يومياً الساعة السادسة صباحاً موعد شرب الدواء لدى والدتها المريضة المُقعدة، تعتني بها منذ 5 سنوات قبل إصابتها بشلل رباعي، تفتح جوّالها و تتابع أخبار أصدقائها على «فيسبوك»، خلسة تدخل إلى حساب شاب وتتفقد صوره مع عائلته، الشاب الذي كان من الممكن أن يكون زوجها، إلا أنها عندما خُيّرت بين الابتعاد عن والدتها والزواج من الشاب الذي أحبّته، اختارت البقاء مع والدتها بعد رفض الشاب السكن في البيت ذاته، تقول آلاء بحسرة: «ربما على الشباب أن يكونوا أكثر تفهماً لحالات مثل حالتي وإلا سيخسر الطرفان مشروع زواجهما».

«بدّي زوّج بناتي وأخلص»

قبل الأزمة كان متوسط سن الزواج للإناث هو 25 عاما، وبعدها انخفض لـ21 عاما، الأمر الذي اعتبره الدكتور ابراهيم ملحم دليلا على أن البعض عمد إلى الإسراع في تزويج ابنته من دون الاهتمام إذا ما كان سن الرجل كبيرا أو كان متزوجا سابقاً أو بالقبول بغير السوري، بسبب الفقر المدقع الذي تعانيه تلك العائلات، معتبرين أن تزويج ابنتهم بعمر صغير سينقص فرد في المنزل، وبالتالي تخفّ تكاليف الإنفاق عليها، مؤكداً أن عدم الوعي لدى الأهل هو السبب الأساسي في ذلك الزواج، وأوضح أنه عندما يتم تزويج الفتاة بعمر صغير عمداً، فإن ذلك سيؤثر على فرصة زواج الفتاة التي هي في سن الزواج، ومن الممكن التسبب بالعنوسة لها.

الظروف المادية متوفرة… ولكن

يطفئ محمد (30 عاما) شمعة خدمته الاحتياطية السادسة، من دون أن يُنير قنديل حياته الزوجية بعد، حيث ينتظر تسريحه من الخدمة ليتقدم بالزواج من الحبيبة المنتظرة في اللاذقية، يقول محمد «أملك منزلاً صغيراً ومحلّاً أعمل فيه بالخياطة»، في إشارة إلى أنَّ وضعه المادي مقبول مقارنة بأوضاع الشباب الآخرين، لكنّ خوفه من أن يصاب في المعارك التي خاضها في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة منعه من اتخاذ القرار بالزواج، يرى محمد بأنه لا يستطيع أن يُرمِّل حبيبته التي ما زالت تنتظره طيلة سنوات الحرب القاسية. ومع انحسار رقعة الاشتباكات في معظم المحافظات السورية، يبتسم محمد قائلاً «أتمنى أن تكون الحرب على وشك النهاية، ربّما أودّع العزوبية قريباً».

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...