fbpx

الأدب الحديث كما هُرِّبَ من سورية… من الذي يُضيّق الوطن على المُبدعين؟!

0

يرصد الباحث الموسيقي صميم الشريف، في كتابه الضخم، الأقرب إلى الموسوعة والصادر عن الهيئة العامة السوريّة للكتاب في وزارة الثقافة، مسيرة (الموسيقا في سورية – أعلام وتاريخ) منذ بدايات بعيدة إلى اليوم، حياة 35 ملحناً، ومطرباً، ومطربة من الذين ولدوا بين عامي( 1885و1930)، ويذهب الباحث، ليصل إلى المعاصرين منهم اليوم، لاسيما مغنيات الأوبرا الحاليات، ومنذ البداية يتحدث الشريف عن مسألة غاية في الأهمية، وهي «نزوح» المطرب السوري خارج وطنه، وهذا الأمر يعود إلى بداية القرن الماضي، وربما قبل ذلك، وكان البعض من هؤلاء الذين أطلقوا مواهبهم خارج سورية، أجاد وأبدع، ولفت الكثير منهم الانتباه إليه، أكثر من مطربي البلد المضيف نفسه، فيما عاد آخرون مكسورو الخاطر، في المقابل يفرد الباحث صفحات لمطربين آثروا البقاء في سورية، وتحملوا الصلف والعنت والجهل والتخلف، الذي وقف حائلاً دون تقدم مسيرة الفن السوري حتى منتصف القرن الماضي، هذه الفترة التي كانت لاتزال تعشش في تلافيفها ظلامية العهد العثماني وجاهليته.

ومناسبة هذا التمهيد هو الملف الذي أعدتّه صحيفة «العلم» المغربية، إذ أفردت صفحات ملحقها الثقافي مؤخراً وخصّصته لنشر نصوص لمبدعين يعيشون داخل سوريّة، والملف الذي جاء بعنوان صادم: (الأدب الحديث كما هرّبناهُ من سورية)؛ صحيح أنّ كلمة (هرّبناهُ) تعني الكثير بالنسبة للمثقفين المغاربة… كلمة تشير بالواضح لممارسة فعل «التهريب» أمام حصار خانق مضروب على الشعب، وإمارات النفط التي فرضت تعتيما إعلامياً وثقافياً حول كل ما هو «سوري»… لكنها بالنسبة للمثقف السوري تعني أمراً آخر، تعني أن ثمة من يُضيّق على المبدع السوري حد الاختناق… الأمر الذي يجعله ينتظر أيّة إشارة من خارج الحدود حيث يجد منبراً ليقول ما عنده، هي محنة سورية مزمنة ليست جديدة على واقعٍ سوري حجزت خلاله منابر الوطن وهي من الندرة بمكان لأحفورات ثقافية عفا عما تنتجه الزمن وتحكّمت بمنابر ثقافية، وتركت أصحاب المواهب الحقيقية يتعفنون في الظل.

ولنسأل اليوم: ماذا كان حلّ بأدونيس أو الماغوط في بداياتهما على سبيل المثال لو بقيا ينتظران «الموقف الأدبي، أو الأسبوع الأدبي» وغيرهما مما يصدره اتحاد الكتاب العرب ويهدر لأجله الحبر والورق، ويصدر تلك الدوريات التي لا تجد من يحتفي بها حتى كتابها؟! أدونيس الذي تتسابق صحف الكون اليوم ليكتب فيها عموداً، وغير أدونيس الكثير ممن يملأ بإبداعه مشرق العالم ومغربه في التشكيل والغناء وفي مختلف مناحي الإبداع، وللإنصاف؛ فإنّ غاية صحيفة العلم من نشر نصوص لمبدعين سوريين؛ كانت محاولة من القائمين على إدارتها لاسيما الشاعر محمد باشكار، المشرف على المحلق الثقافي، فك الحصار العربي والعالمي المفروض على المبدعين داخل سورية. لكن الحقيقة المرة أيضاً، أنها فكّت حصاراً مفروضا على المبدعين السوريين ممن يتحكم بالمنابر الإعلامية في سورية نفسها… فمنذ زمن طويل ترفض الصحف السورية نشر مواد «الإبداع»، وهي إن نشرت فيكون الأمر بالمجان، أي وحسب بند من رئاسة مجلس الوزراء كما فهمت من المحاسبين في مالية الصحف السورية، إن نشر القصائد والنصوص الإبداعية يكون مجاناً، هذا إن توفر مثل هكذا منبر، لأن المبدع السوري وكما تبين لي من خلال التجربة أنه مستعد لأن ينشر نصوصه مجاناً إن توفر المنبر، لكن مثل هكذا منبر حقيقي هو من الندرة بمكان، وإن توفر فثمة ضغوط شتى تُمارس عليه، والذي يكون التوقف عن الصدور من قائمة الخيبات، هذا إن انتظمت في الصدور، أما الخذلان فلمن تُحجز المنابر؟؟!

وبالعودة لصحيفة «العلم» اليومية المغربية التي تأسست سنة ١٩٤٤ وملحقها الذي دأب بشكل متواصل منذ سنة ١٩٦٩، يفرد صفحاته لمختلف الأقلام المغربية والعربية… وأما مصطلح (هرّبناهُ) كما جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس تحرير الملحق الثقافي للصحيفة، تعني الكثير، وصرخة في وجه حكومة بلده «الملتحية» بأن ترفع «الحظر» عن المغاربة وعن السوريين معاً، من أجل بناء وطن عربي ثقافي وإعادة اللحمة الأخوية بين المثقفين والشعوب العربية، التي اكتوت بنار الفتن والدسائس «السياسية»، ويقول لـ «الأيام»: «كانت الغاية والهدف، من هذه المبادرة هي تكسير الحصار المفروض على أدباء ومثقفي سورية الداخل الذين حُصروا بشكل ظالم من إعلام (ممول) ومسيطر عليه بالدولار». صحيفة «العلم» المغربية ومن خلال ملحقها الثقافي كسّرت الحصار المفروض كذلك على المغاربة، لإعطائهم نفسا آخر لتذوّق الأدب السوري في الداخل، بدل سماع وقراءة ما تروّجه أقلام «معارضة» مشبوهة عن السوريين ومن ثمّ إيصال صوت المثقف السوري بالداخل للمغاربة.

في فصلٍ لافت من الكتاب الذي قدمنّا به يتحدث الشريف عن المطربات السوريات، اللاتي شغلن الحياة الفنية بدمشق منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى اليوم، وهن كثيرات، منهن من سقط على الدرب لافتقار مواهبهن على الاستمرار، ومنهن من تجاوزن بأدائهن إلى سائر الأقطار العربية، وصولاً إلى مغنيات الأوبرا مثل: أراكس تشكجيان، لبانة قنطار، سوزان حداد، رشا رزق، نعمى عمران، وتالار دكرمنجيان، ولينا شمميان، وهنا إذا كانت ساحة الموسيقا السورية، قد تخلصت من تركة الظلامية العثمانية، نهائياً، رغم موجات الوهابية القادمة من غبار الجزيرة العربية أو الأخوانية التركية القادمة، غير أن الخطر الأشد كان في هذا التجاهل لهذه البنى الموسيقية السورية، لصالح جنس نطلق عليه «إبداع» تجاوزاً، وأقصد بذلك الدراما التلفزيونية، هذا كان قبل المحنة التي نزلت بسورية، لكن بعد أن استحكمت هذه المحنة بكل المناطق السورية، صارت وكأن كل الحدود السورية بوابات نزوح؛ منهم – وهم الأكثرية – ركب موجة اللجوء ليحصل على منافع اقتصادية، وهكذا انتشر المبدعون السوريون في مشارق الدنيا ومغاربها، مع ذلك؛ ومنذ زمن طويل، فإن «الغربة» كانت سبباً في شأن الكثير من المبدعين السوريين، التي لولاها ربما بقوا نائمين في عسل الظل والإهمال مع تحكم الموظفين الأميين، والمدعومين الجهلة على مفاصل مختلف المنابر الثقافية.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...