fbpx

اقتصاد يحتاج لـ (400) مليار دولار لإعادة الإعمار والحكومة تقدم له (115) مليون دولار من موازنتها العام القادم

0

تعدّ سياسات إعادة الإعمار، ومن وجهة نظر اقتصادية لا فنية، من السياسات الاقتصادية المركبة التي تتداخل فيها السياسات الاقتصادية مع المالية والنقدية، وتسعى تلك السياسات إلى تحقيق الانسجام فيما بينها من أجل ضبط إيقاع العمل الاقتصادي الخاص بإعادة الإعمار، وغالباً ما يتجسد الجانب الاقتصادي ويظهر في شكله النهائي على شكل تمويل عملية إعادة الإعمار، الأمر الذي يستلزم تطويع السياسات السابقة من أجل تأمين ذلك التمويل بالنتيجة النهائية.

وعند البحث عن مصادر تمويل إعادة الإعمار، فإن أياً من الحكومات الخارجة لتوّها من الحرب أو الأزمة، لا بد لها من التوفيق بين ثلاثة مصادر أساسية في تلك العملية، المصدر الأول هو موارد الدولة الذاتية، أي ما توفره خزينة الدولة من إيرادات يمكن لها من إعادة إنفاقه على جزء من عملية إعادة الإعمار، والثاني هو التمويل من القطاع الخاص المحلي الذي سيحاول وبشكل مؤكد من الحصول على كعكة من عملية إعادة الإعمار تلك، أما المصدر الثالث فهو التمويل الخارجي عن طريق المنظمات الدولية أولاً، والدول الصديقة والحليفة ثانياً.

وعلى الرغم من غياب التقديرات النهائية لتكلفة إعادة الإعمار، كون تلك التكلفة ما زالت قيد الحساب والتدقيق، إلا أن الحكومة قد باتت تنفق بشكل فعلي على عملية إعادة الإعمار، وبشكل دوري عبر تخصيص مبالغ معينة لعمليات إعادة إعمار غالباً ما تخص البنية التحتية بشكل أساسي، بالإضافة إلى قطاعي الصحة والتعليم تحديداً، لكن المشكلة الأساسية هي في قدرة الموازنة العامة للدولة على رصد اعتمادات دورية وكافية للاستمرار في تلك العملية، وقدرتها على استيعاب أكبر حجم ممكن من متطلبات تلك العملية وضمن أضيق زمن.

تُظهر الموازنة العامة للدولة لعام 2019 والبالغ حجمها (3882) مليار ليرة سورية، أن قيمة البند المخصص لإعادة الإعمار فيها هو (50) مليار ليرة فقط، أي أن ذلك المبلغ لا يشكل فعلياً أكثر من (1.2%) من كتلة النفقات المتوقعة في العام القادم كلها، وضمن الإيرادات الحكومية المتاحة من خلال الموازنة فإن الحكومة ستنفق مبلغ يقدر بـ(1491) مليار ليرة على الدعم، أي أن حوالي (38%) من الموازنة العامة للدولة سيذهب للدعم الاجتماعي المباشر، حيث يتوقع أن يكون مبلغ دعم الكهرباء حوالي (700) مليار ليرة ومبلغ دعم الدقيق التمويني حوالي (361) ليرة ومبلغ دعم المحروقات حوالي (430) مليار ليرة.

وهنا يمكن طرح مجموعة كبيرة من التساؤلات حول المبلغ المخصص لإعادة الإعمار وقدرته على استيعاب جزء من تلك العملية، وذلك بالاعتماد على أرقام موازنة عام 2019 ومنها.

1 – ما هي حصة الحكومة السورية من عملية إعادة الإعمار خلال السنوات القادمة إذا كانت المبالغ المالية القادرة على إنفاقها لا تتجاوز (1.2%) من الموازنة العامة للدولة؟ أي ما هي نسبة هذه المبالغ إلى إجمالي مبلغ إعادة الإعمار المقدر وسطياً بـ(400) مليار دولار؟ علماً أن مبلغ (50) مليار ليرة لا يعادل أكثر من 115 مليون دولار.

2 – كيف سيتم تخصيص تلك المبالغ بين القطاعات أولاً؟ وبين المحافظات المتضررة ثانياً؟ بمعنى ما هي نسبة تخصيص تلك المبالغ بين قطاع البنية التحتية الأساسية من ماء وكهرباء وطرق وجسور ونقل، وبين قطاع الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والسكن؟ وإذا استمر الإنفاق على البنية التحتية، ألا وهي الشرط الأساسي لعمل القطاعات الباقية كلها فمن المؤكد أن القطاعات الاجتماعية المتبقية ستحرم قليلاً من جزء مهم من الإنفاق.

3 – إن تكلفة إعادة الإعمار بالأسعار الرائجة حالياً تبدو تكلفة كبيرة، وذلك انطلاقاً من قيم المشاريع الصغيرة المنفذة حالياً في الاقتصاد، فإعادة تأهيل جسر أو طريق داخلي ضمن محافظة يكلف مئات الملايين وربما يصل إلى مليار أيضاً، فكم ستنفذ الحكومة من مشاريع بنية تحتية ضمن نطاق (50) مليارا المتاحة، وخاصة إذا علمنا مثلاً أن تكاليف إعادة الخدمات الأساسية لمدينة مثل داريا لوحدها قد كلف الدولة حوالي (35) مليار ليرة فماذا عن باقي المدن السورية؟

4 – هل سيتم توجيه جزء من مبلغ (50) مليار ليرة الوارد في الموازنة، إلى إعادة إعمار البنية التحتية للقطاع العام الصناعي وترميم أضرار بنيته التحتية وآلاته البالغة لوحدها حوالي (900) مليار ليرة؟! أم أن هناك مخصصات إعادة إعمار مستقلة لقطاع الصناعة غير متضمنة في هذه (50) مليارا؟

5 – على فرض أن القطاع الخاص المحلي والأجنبي قد أحجم عن دوره المتوقع في الاستثمار في عمليات إعادة الإعمار، أو أنه تأخر أكثر من المتوقع في إنجاز تلك المهمة، فمن أين سيتم تلبية متطلبات تمويل إعادة الإعمار من قبل الحكومة؟ تلك المتطلبات التي تزيد يوماً بعد يوم وترتفع تكاليفها بالتوافق مع انحسار الموارد الاقتصادية الناتجة عن تراجع الأداء الاقتصادي العام.

6 – من المتوقع أن يوجه القطاع الخاص استثماراته المستقبلية نحو القطاعات الإنتاجية والرابحة كقطاع الصناعة مثلا أو قطاع البناء والتشييد أو القطاع التجاري، لذلك يبدو من الواضح أن مسؤولية الدولة من ناحية الإنفاق ستبقى ثابتة تجاه العديد من القطاعات الأساسية والتي يقدم القطاع الخاص على الاستثمار فيها، لذلك يثار التساؤل المشروع عن قدرة الـ(50) مليارا تحمل إنجاز تلك المسؤولية.

نتيجة لتدمير الاقتصاد والبنية التحتية خلال 8 سنوات من الحرب كان من الطبيعي أن تتراجع موارد الاقتصاد المالية، إلا أنه ومع مرحلة التعافي الراهنة والتي بدأت تظهر نتائجها فعلياً، بات من الضروري البحث عن مصادر دخل جديدة في الاقتصاد، من أجل توفير الأموال الحكومية اللازمة لعملية إعادة الإعمار، ومن أجل تأمين استمرار دوران عجلة الإنتاج الصناعي والزراعي تحديداً، ذلك لأن الاستمرار في تخصيص مبالغ مالية متواضعة جداً في موازنة الدولة لن يؤدي إلى تفعيل إعادة الإعمار، أو بشكل آخر يمكن القول إنه سيؤخر إنجاز كل العملية إلى عشرات السنوات.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...