fbpx

شرقي الفرات.. الأزمة المركبة

0

يستعيد المشهد السوري تفاصيل جديدة، فشرقي الفرات الذي بدا لفترة طويلة وكأنه خارج أي حسابات سياسية لحل الأزمة؛ يعود ليحتل موقعاً أساسياً في تجميع خيوط القوى الإقليمية والدولية، فالاعتداءات التركية على الشمال السوري حركت العلاقات «الساكنة» مع الولايات المتحدة بخصوص سورية، وأثارت جملة أسئلة حول تجاوز التفاوض في أستانا وجنيف لمشكلة الأكراد تحديدا، فـ«قوات سورية الديمقراطية – قسد» أصبحت محور تساؤلات حول مستقبل الحل السوري، في أزمة مركبة في شرقي الفرات.

عملياً فإن الحكومة السورية تنظر إلى شرقي الفرات ضمن حسابات تعتمد على مسألة «السيادة»، فالأزمة اليوم ربما لا تتيح صداماً مباشراً مع القوات الأميركية، وفي نفس الوقت تفضل دمشق عدم الدخول في مواجهة عسكرية مع الأكراد مستفيدة من التجربة العراقية، فالمسألة بالنسبة لها تتعلق بعدم توسيع النزاع ليصبح مساحة لتدخل دولي سياسي على الأقل، ولكن هذه الحسابات السياسية ترتبط اليوم بتوازن آخر معقد لأبعد الحدود، فتركيا تريد ضمان نفوذها على حدودها الجنوبية، وتعتبر أن الأزمة السورية أنتجت قوة عسكرية كردية يمكن أن تعيد إليها أزمة ثمانينات القرن العشرين.

المظهر الآخر لهذا التشابك في شرقي الفرات هو التحالف ما بين «قسد» والولايات المتحدة، حيث يقدم هذا الأمر ورقة أساسية لواشنطن في عمليات التفاوض، وفي نفس الوقت هناك مسألتان مرتبطتان بهذا الموضوع:
 الأولى أن هذا التحالف «الظرفي» مختلف بشكل نوعي عن العلاقة بين واشنطن وإقليم كردستان العراق، حيث يمثل الثاني توازناً أساسياً في طبيعة التواجد الأميركي في المنطقة، في حين يشكل التحالف مع «قسد» آلية أميركية في التعامل مع التطورات السورية بعد إخفاق كل أشكال إيجاد حليف عسكري على الأرض.
تتعامل الإدارة الأميركية في علاقتها مع «قسد» بشكل غير واضح، فهي تعتبر تواجدها في شرقي الفرات يتجاوز مسألة ضمان «أمن الأكراد»، حيث يتم استخدامها كنقطة تفاوض مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية، وضمن هذا السياق تظهر اليوم مساحة جديدة للعلاقات الأميركية التركية، وذلك في محاولة للتأثير على التوازن العام في الحرب السورية وليس فقط على الموضوع الكردي فقط، فواشنطن تسعى لإبعاد تركيا عن مسألة التنسيق الكامل مع روسيا ومنحها ضمانات كي تصبح عنصراً ضاغطاً على أي حل مستقبلي في سوري أو في الإقليم عموماً.
 

الثانية يرتبط في قدرة تركيا على إدارة التوازن في علاقاتها مع كل من روسيا والولايات المتحدة وإيران، فهذا التوازن سيحكم بشكل أو بآخر نوعية الدعم الذي يمكن أن تقدمه واشنطن للأكراد في مواجهة أنقرة.
تدرك تركيا أن شرقي الفرات بوابة واسعة لجملة من العلاقات التي يمكن أن تظهر بسبب الموضوع الكردي، فهو يتجاوز مسألة المقايضة مع واشنطن ليصبح ملفاً يمكن من خلاله ترتيب حزمة كاملة في علاقة تركيا مع الجميع، ورغم أن التخلي عن «قسد» يعني في أحد جوانبه منح الحكومة السورية قوة إضافية، لكنه في نفس الوقت سيعطي تركيا حقوقاً إضافية في ممارسة نفوذ في شرقي الفرات، يشبه ما تقوم به اليوم في إقليم كردستان العراق.
الحسابات المعقدة لملف شرقي الفرات أصبحت ضمن دائرة أوسع بالنسبة لتركيا، أما بالنسبة للولايات المتحدة فيبدو أن إستراتيجيتها في هذا الأمر ما تزال ضمن حدود مرتبطة بدفع تركيا بعيداً عن إيران بالدرجة الأولى، فالحديث الإعلامي عن «صفقة القرن» ربما لا يطول القضية الفلسطينية فقط، فهو ترتيب أوسع لا ينهي الصراعات لكنه يُنهك الجميع.

نقلا عن الوطن

تعليقات
Loading...