fbpx

تجارة الملابس المستعملة تشقّ طريقها على أنقاض «الوطني»

0

قميص رجالي أو نسائي، كنزات، معاطف، مناشف، جاكيت شتوي، أحذية، بنطال جينز أو مخمل، إضافةً للشراشف والستائر المنزلية، وغيرها الكثير… أكبر تشكيلة من الألبسة المستعملة التي يوجد بينها قاسم مشترك هو التجهيز للموسم الشتوي «القارس». هذه الألبسة يمكن أن تراها على بسطة «بالة» صغيرة، أو في محل كبير المساحة مخصص للألبسة المستعملة «الأوروبية»، إذ تنتابك الدهشة وأنت تدخل باب المحل التجاري لتشاهد كل ما راق وتميّز من الألبسة بألوانها الداكنة والمشرقة لتخرج في نهاية جولتك الطويلة من الباب المقابل، وترى البسطات الممتدة على جانبي الطريق في الشارع الخلفي لمنطقة الشيخ سعد والملقب بـ «نزلة شبيكة».

دبكة شعبية

على تلك البسطات الصغيرة ترى تزاحم أيادي الناس، وكأنك في حفلة شعبية «دبكة دائرية»، سيدة في ثلاثين من العمر تمسك بين كفتي يدها كنزة نسائية تتفحص القطعة الأوروبية لتتأكد من بطاقتها الداخلية، ثم تجادل رفيقتها عن موديل الكنزة «العصري»، وتقول: «ألبسها هالشتوية وأرميها» ثم تستفسر من البائع عن سعرها وتخرج ورقة واحدة من فئة ألف ليرة سورية لتحصل على كنزة جديدة. الأيادي تتزاحم هناك لاقتناء ما يلزمها من اللباس الشتوي «الأوروبي» ومعها تختلط الكثير من القصص، فهذه الكنزة الشتوية مكتوب عليها «صنع في ألمانيا»، وهذا الحذاء مدموغ على نعله «إيطالي الصنع»، وهذا البنطال قد يكون كبير الحجم لكن قَصَته «موديله» غير متواجد في الأسواق المحلية، لكنه يستغويك لشرائه بل وتضييقه عند «خياط الحارة».

فن التسويق المباشر

لا أحد يجبرك على الشراء إذا أُعجبت بقطعة لباس «بالة» أوروبية، هذا ما قاله عبد حاج أحمد لـ «الأيام»، ذلك الرجل الخمسيني الواقف إلى جوار بسطته مستعد دائماً للإجابة عن استفساراتك وأسئلتك، حول القطعة التي أعجبتك ويحاورك عن مصدرها. هذا الرجل أتقن فن التسويق المباشر رغم أنه وصل في تعليمه إلى الصف الخامس الابتدائي فقط، لكن مقابلته لحوالي 1000 زبون يومياً، أغنى معارفه العلمية في كيفية إدارة الحوار والوصول لإقناع زبونه.

مهنة «البالة» لا تتوارثها ولا تتعلمها

يقول بائع البسطة: مهماً كنت فقيراً فهناك أناسٌ أفقر منك، لا تستطيع أن تصبح بائع بالة إلا بالصدفة، ترميها الظروف بمواجهتك، مضيفاً: بدأت العمل منذ ثلاث سنوات بعد أن غادرت محافظة حلب بسبب الأحداث الجارية هناك، لم أجد عملاً آخر كوني غير موظف في القطاعات الحكومية التي تحتاج إلى شهادات علمية، أما بالنسبة للألبسة المستعملة المعروضة على بسطته فقد وصل سعر أفخر أنواع الجاكيتات الأوروبية إلى 3000 ليرة سورية، بالمقابل تجد الجاكيت الشتوي (محلي الصنع) معروضاً على واجهة محل متوسط الشهرة في دمشق بسعر 20 ألف ليرة، الأمر الذي يجعل بسطة البالة «مقصد الفقراء والموظفين».

البالة «بريستيج» اجتماعي

أضاف عبد حاج أحمد: «زبائني ليسوا من الطبقة الفقيرة فقط، بل معظم العائلات المعروفة في منطقة الشيخ سعد – مكان تواجد بسطته- تتخذ من لباس البالة (بريستيج) اجتماعي كونها بضائع أوروبية ذات جودة عالية»، موضحاً أنه يعمل مناصفةً مع أخيه – المصاب بمرض السرطان- لمدة سبع ساعات يومياً، مضيفاً أن الغلاء الفاحش للألبسة الجديدة، وضعف القدرة الشرائية لدى أغلب العائلات أثّر بشكل مباشر لاقتناء الناس ألبسة البالة، مؤكداً أن البالة باتت لخدمة الفقراء والعائلات الميسورة بشكل أكثر علنية بعد أن كانت تتم بشكل مخفي خوفاً من السمعة.

وتنتشر أسواق البالة وسط دمشق في أحياء الإطفائية وشارع خالد بن الوليد وباب الجابية والقنوات والشيخ سعد ومزة 86 وجرمانا، بالإضافة إلى انتشارها في المحافظات الأخرى مثل حمص وحلب واللاذقية، في حين تختلف أسعارها بين محل وآخر، وبحسب القطعة المعروضة على البسطات. في المقابل ذهب البعض للاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي وإنشاء مجموعات إعلانية للترويج عن بضائعهم، لكن يبقى للمس القطعة وفحصها بشكل مباشر (نكهته الخاصة)، الأمر الذي يتيح للزبون تَفحّص القطعة واختيارها بحرية أكبر.

50 % ربح البالة

«بعت في هذا المحل جاكيت شتوي إيطالي ملصق على كرتونته الداخلية سعره الحقيقي 100$ بسعر 5 آلاف ليرة سورية»، هذا ما أكده أبو أحمد بائع بالة بالجملة، محله الكائن عند نزلة شبيكة ليس الوحيد بل هناك أكثر من 30 محلاً تتخصص ببيع البالة، بالإضافة لوجود أكثر من 200 بسطة في تلك المنطقة. بدأ عمله الخاص في تجارة المكياجات والعطورات في محافظة الرقة، ثم انتقل إلى دمشق ليدخل في هذه المهنة (عشيقته الأولى) على حد وصفه، مؤكداً أن الناس كانوا يشعرون بالحرج من التوجه لأسواق البالة حتى تغيّر الحال مع ارتفاع أسعار الملابس الجاهزة ووصولها إلى حد الخيال، مضيفاً أن ربح البالة يصل إلى 50%، تلك البضائع المنتشرة في كل حدب وصوب داخل محله الصغير المرخّص بصفة محل «حلاق رجالي» بسبب عدم وجود تراخيص لمهنة البالة باعتبارها المنقذ الوحيد لمواجهة غلاء الأسعار.

كيلو البالة بـ 900 ليرة

يتابع أبو أحمد: البضائع تأتي من بيروت بالتواصل مع أصحاب البالات المرخصة هناك، نشتريها بالكيلو بسعر 2$ حوالي 900 ليرة سورية ونبيعها بالقطعة، ويختلف سعرها تبعاً لتصنيفها فمنها نخب أول وثاني و(كريم) (مستعمل نظيف)، و(سوبر كريم) المقصود بها ألبسة غير مستعملة وهي تصفيات المولات الأوروبية بعد نهاية كل موسم، مضيفاً أن تجار هذه المهنة يعانون بعض الصعوبات من خلال إجبارهم على شراء أصناف كاسدة في السوق السورية مقابل حصولهم على الألبسة الأوروبية من النخب الأول، ومشيراً إلى أن البالات أصبحت مقصداً للعائلات الفقيرة بالإضافة للعائلات التي لديها أكثر من 3 أطفال، ناهيك عن الدخل الشهري المنخفض للموظف، ولكون رب الأسرة مضطراً لتلبية الاحتياجات اليومية الأساسية قبل اللباس، الأمر الذي أدى لتراجع الإقبال على شراء الملابس سواء الجديدة أو المستعملة في السوق المحلية، ولانعدام وجود السيولة المادية لدى المواطنين مؤكداً أن أسعار البالة السنة الفائتة كانت أغلى سعراً لكنها لقيت إقبالا شعبيا.

غياب الجهة التنظيمية!

أصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في 9 تموز الفائت، بناء على كتاب من وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، قراراً يقضي بتشديد الرقابة على الأسواق والمحلات التجارية التي تمتهن البالة، وضبطها باعتبارها مجهولة المصدر (مهربة) وحجزها لكونها تضر بالاقتصاد الوطني، لتعود وتتريث بعد ثلاثة أيام بإنهاء العمل بمضمون الكتاب السابق. وفي ظل غياب شبه تام للمؤسسة المعنية عن تنظيم مهنة البالة، تتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، الأمر الذي يؤكد أن البالة من الأمور الشائكة.

وخلال اتصال «الأيام» بمعاون وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك جمال الدين شعيب أعلن أن قضية البالة من اختصاص وزارة الاقتصاد، الأمر الذي نفاه المكتب الصحفي في «الاقتصاد»، في حين أكد مصدر صحفي في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك أن مهنة البالة من مهام وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، بالإضافة للجمارك، وهذه المهنة ليست لها أي إدارة معنية لتنظم عملها كونها ألبسة مهربة، مضيفاً نحن نقوم بدورنا كجهة رقابية على الأسواق المحلية ولم يتقدم أي مواطن بشكوى على محل أو بسطة تبيع الألبسة بطريقة مخالفة، موضحاً أن الإجراءات القانونية جزء من مهمة الجمارك ووزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية!!

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...