fbpx

لمياء عاصي تكتب عن التنمية والقروض… والتعثر

0

التنمية الاقتصادية تشغل بال السياسيين والمفكرين الاقتصاديين، لأن تحقيقها يعد نجاحا لكلا الطرفين، وقد لخّص الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر في كتابه «نظرية التنمية الاقتصادية» «the theory of economic development» الـــــذي أصدره في بداية القرن العشرين، أهم متطلبات التنمية الاقتصادية وهي إمكانية الحصول على المال (الائتمان) بكلفة رخيصة وبطرق ممكنة، حيث تطور الاقتصاد العالمي بشكل كبير خلال 100 عام الأخيرة، وكانت رافعة هذا التقدم الأساسية هي ثورة الاتصالات والمعلومات.

لا يمكن الحديث عن نمو اقتصادي من دون وجود نظام مصرفي قوي، يقوم بتأمين السيولة المالية اللازمة لتمويل معظم النشاطات الاقتصادية مثل (شراء الأصول العقارية، أو الآلات الصناعية، أو وسائل النقل وغيرها)، اليوم الخدمات الائتمانية باتت تباع على شكل منتجات لها مواصفات وأسعار معينة.

نقاط الضعف في السوق السورية تتلخص بالنقاط التالية:

هيكليتها المؤسساتية والبيئة التشريعية، والتي لم تتمكن من تجاوزها فعليا، حيث تواجه اليوم مشاكل جدية لعل أولّها الانخفاض الشديد في القيمة الفعلية لموجودات هذه المصارف، ثم الكثير من القروض المتعثرة، والضمانات الوهمية للقروض، ذلك أن الضمانات في بعض القروض لا تكفي لسداد 10% من المبالغ المستحقة، إضافة إلى أن عملية الحصول على القروض في الكثير من الأحيان يغلفها الكثير من الفساد، وكلنا نتذكر المصرف الصناعي وتعثره في بداية الألفية الثالثة، وكل ما حصل هو أن الجهات المعنية قامت بتغيير الإدارة، وبدلا عن فلان جاءت بعلان، بينما بقيت الأنظمة على ماهي عليه، فتكررت نفس القصص والإخفاقات، فلم تساهم القروض بتحسين الصناعة، وهذا كان الهدف الأساسي لتأسيس البنك الصناعي، ولم يتوقف مسلسل الاقتراض والتعثر في السداد، وكما هو معروف فإن الكثير من الأموال ذهبت إلى جيوب بعض الفاسدين من الإدارات المتعاقبة، واللجان التي كانت تقوم بتقييم الرهون العقارية ومدى حاجة المقترض الصناعي إلى قرضه، وكذلك المصرف العقاري الذي لعب دورا مهما في تأمين السكن بالتعاون مع الجمعيات التعاونية في السبعينات، والثمانينات من القرن الماضي، لديه اليوم قضايا تعثّر كثيرة لا أحد يستطيع التكهن بمصيرها .

غياب سجل ائتماني موحد لكل تاجر أو صناعي، أو أي شخص يريد الاقتراض من البنوك العامة والخاصة، مؤتمت بالكامل ومربوط بشبكة معلوماتية بكل البنوك العاملة في البلد.

في معظم الدول التي تملك نظاما مصرفيا متطورا، تم تأسيس «مكتب الائتمان الوطني» يكون هذا المكتب بمثابة صلة الوصل بين جميع الجهات المقرضة في البلد، هذا المكتب الذي ترتبط به كل المصارف والمؤسسات التي تمنح قروضا أو سلعا بطريقة ائتمانية، لديه تفاصيل الحالة الائتمانية لكل شخص (كل المعلومات المتعلقة بالقروض التي حصل عليها، وسداده للقروض، والالتزامات المتوجبة عليه، والدخول الشهرية أو السنوية التي يحصل عليها، وما إذا سبق له أن تعثر أو امتنع عن السداد أو كان لديه أي مشكلة). كما تتضمن معلومات عن الضمانات العقارية المعطاة لكل من هذه البنوك. وبالطبع، لا يمكن لأي شخص الحصول على قرض من أي مصرف مالم يحصل على ورقة من مكتب الائتمان الوطني، فمثل هذه الخدمة من شأنها أن تحمي المصارف العامة والخاصة، من الوقوع ضحية شخص أو مؤسسة تقترض مبالغ تفوق قدرتها على السداد، ومن أكثر من مصرف، ثم تعلن إفلاسها أو تعاني مشاكل فلا تتمكن من السداد مستقبلا.

السؤال الآن: ماذا كانت ستكون كلفة تأسيس مكتب للائتمان في سورية؟!

والجواب أنه مهما كانت الكلفة فإنها لن تتجاوز نسبة ضئيلة جداً من الخسائر التي حدثت، ومازالت تحدث، جرّاء حالات الاحتيال والفساد. المكتب الائتماني سيكون فعالا خصوصا إذا ما زُوّد بالتطبيقات الحاسوبية المناسبة والربط الشبكي مع البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، ودائماً الحلول التكنولوجية تكون أبسط الحلول وأقلها تكلفة وأكثرها فعالية.

أذكر أنه حدث أكثر من مرة، تزوير شيكات صادرة عن الخزينة المركزية، ليتم صرفها من البنك المركزي، بالتالي، فإن ربط البنك المركزي بالخزينة المركزية بـ «كبل وحاسوب»، وبرنامج صغير جدا، سينهي المشكلة، فلا يعود بإمكان أي أحد أن يزور أي شيك أو معلومة صادرة عن الحزينة المركزية.

نظامنا المصرفي وخصوصا القطاع العام المملوك للدولة، يعاني عدة مشاكل جوهرية:

أولا: لم تستطع هذه المصارف تجاوز ضَعف الاعتماد على التكنولوجيا، مما قلل من كفاءة العمليات في هذه البنوك وزاد وعمّق مشاكلها.

ثانيا: بقيت هذه المصارف خاضعة لعدد من القوانين التي تحكم سائر الجهات العامة، مثل القانون رقم 2 الذي يحكم عمل المؤسسات المملوكة للدولة، وهو قانون مرتبك، فيه تدخل كبير من جهات متعددة في عمل المصارف التي تحتاج للكثير من المرونة والكفاءة، التي تتجاوز ما هو موجود في القطاعات الإدارية العادية وغير ذلك.

ثالثا: الدليل على ضَعف القطاع المصرفي في سورية هو عدم تمكن هذه المصارف من التعامل باحترافية في سنوات الأزمة التي عصفت بسورية، وخصوصا بما يتعلق بسعر الفائدة والتحوّط، حيث أن سعر الفائدة لم يساير بشكل حقيقي سعر الصرف والتوقعات حوله، بل إن التوقع بانخفاض سعر العملة الوطنية أدى إلى انخفاض الإيداعات بشكل كبير، وانخفاض القيمة الحقيقية لموجودات المصارف. وبسبب عدم حصول عمليات تحوّط واضحة فقد منيت البلد بخسائر كبيرة في الثروة الوطنية.

مازال ملف القروض المتعثرة يعدّ ملفا مهمّا أمام الحكومات المختلفة، وعلى الرغم من كل العروض المقدّمة أو ما يسمى الحلول لهذه الظاهرة، بقيت هذه الملفات تعالَج كحالات، وليس كسياسات تعالِج الأخطاء المرتكبة، حيث بقي أسلوب منح القروض هو لمن يستطيع أن يقدّم الضمانات.

أخيراً، إن أي تطوير حقيقي للمصارف العامة، ورفع كفاءة الإدارة لا يمكن أن تتم إلا من خلال تطوير البيئة المؤسساتية، وتحديث القوانين التي تحكم عمل هذه المصارف، ومن ثم تطبيق الحلول الحاسوبية المتطورة والربط الشبكي، وإحداث مكتب للائتمان، ولا بد من العودة إلى ما قاله شومبيتر، حيث لخّص المسألة التنموية، بأنها الحصول على المال بطريقة ممكنة وبكلفة رخيصة.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...