fbpx

الفساد «المقونن»… موسم الصرف السنوي ينهش القطاع الحكومي على عينك يا رقابة!

0

مع اقتراب نهاية كل عام، تنشط عمليات الإصلاح والدهان والديكور والشراء الحكومية بشكل كبير، حتى أن الكثير من التجّار ينظرون إلى الشهور الثلاثة الأخيرة من كل عام على أنها «موسم»، حيث يزداد الطلب الحكومي (من مختلف القطاعات والدوائر والمؤسسات) على إبرام العقود بمختلف أنواعها (التحديث، الشراء، التطوير، الاستبدال)، لأسباب عديدة، جميعها تتمحور حول أمر واحد يتعلق بالبيروقراطية، والأنظمة المالية المتحجّرة، والتي تفتح بدورها باب «مغارة علي بابا» للمحاسبين والمسؤولين الفاسدين، الذين ينالون حصة كبيرة من هذه العقود، من دون أية مساءلة أو محاسبة، وكل ذلك يكون على حساب الجودة والكفاءة.

تعاني بلدان العالم الثالث (وسورية من هذه البلدان طبعاً)، من أنظمة مالية قديمة، وبيروقراطية كبيرة، تحول دون تطوير هذه الأنظمة من ناحية، وتفتح الباب أمام فساد لا يمكن ضبطه بسهولة، بل تشجّع عليه في كثير من الأحيان، الأمر الذي ينتج عنه مشاريع صوريّة، أو هدر كبير في المال العام بشكل سنوي ودوري، من دون إيجاد حل حقيقي لهذا الأمر.

أحد أبواب الفساد المقونن في القطاع الحكومي السوري يتعلق بطبيعة الأنظمة المالية، التي تحدد ميزانية كل مؤسسة مقارنة بالعام الماضي، حيث يتم بشكل سنوي تخصيص ذات الميزانية تقريباً لكل مؤسسة، بناء على ما تم صرفه في العام المنطوي.

محاسب في إحدى المؤسسات الحكومية يشرح الفكرة خلال حديثه إلى «الأيام» بقوله: «لدينا مبلغ مخصص كل عام لمصاريف المؤسسة، وعلينا حتماً أن نقوم بصرفه، وإلا فإن المبلغ الذي يتم توفيره يتم تدويره إلى العام التالي، مع تخفيض الميزانية بمقدار ما تم صرفه على اعتبار أن المؤسسة لم تحتج إلى المبلغ المخصص في العام السابق»، ويتابع: «عملية التوفير وبدلاً من أن ينظر إليها على أنها إنجاز، فإنها تؤثر على عمل المؤسسة خلال الأعوام التالية، فمصاريف المؤسسة ليست ثابتة، ودورية، بل متغيرة في كل عام».

ويشرح المحاسب أن المؤسسة لكي تضمن ثبات موازنتها، عليها أن تنفق المبلغ المخصص للإنفاق، وفي حال لم يتم إنفاق هذا المبلغ، ومع اقتراب نهاية العام واقتراب موعد إغلاق الميزانية، يتمّ هدر المبالغ الفائضة وصرفها بأي شكل من الأشكال، سواء عن طريق عمليات التطوير الوهمية والتحديث، أو شراء أثاث جديد لا داعي له، أو إقامة مشاريع بمبالغ كبيرة أكبر من حقيقة المشروع ذاته».

وعن إمكانية ضبط هذا النوع من الفساد يشرح المحاسب «لا يمكن ضبطه وفق القوانين الحالية طبعاً، فجميع المشاريع وعمليات الشراء، تتم وفق عقود نظامية، وإيصالات نظامية، عملية التحقيق فيها ستفضي إلى أنها صحيحة، ويتم ذلك عن طريق الاتفاقات المسبقة بين التاجر أو المقاول ومسؤولي المؤسسة، الأمر الذي يدرّ ربحاً على التاجر أو المقاول من جهة، ويملأ جيوب المسؤولين من جهة أخرى، إضافة إلى أنه يضمن استقرار الميزانية».

نائب عميد كلية الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور حسن حزوري، رأى خلال حديثه إلى «الأيام» أن «تسارع صرف الاعتمادات المرصودة في الموازنة العامة للدولة خلال الربع الأخير من كل عام (ثلاثة أشهر الأخيرة)، هو ظاهرة عامة نراها في عدد لا بأس به من الدول في العالم ومنها سورية، وتعود لأسباب عديدة؛ منها ضعف جهاز التخطيط، وضعف أجهزة الرقابة المالية، وبيروقراطيتها، وضعف كفاءة الأداء للإدارات التنفيذية، التي تؤدي إلى ضعف كفاءة الإنفاق، والذي يترافق مع الهدر والفساد»، ويتابع «بناء عليه نرى أن محاسبي الإدارات ومسؤولي الاعتمادات والإدارات التنفيذية، تسارع في الأشهر الأخيرة من العام للإعلان عن المناقصات أو تنظيم العقود بالتراضي، لصرف ما تبقّى لديها من اعتمادات الموازنة، لأسباب عديدة منها لتجنب تخفيض الاعتمادات في السنة القادمة، وثانيا؛ لعدم تعرضها للمساءلة والمحاسبة قد تؤدي بها للإقالة».

يشير الدكتور حزوري خلال حديثه إلى غياب برنامج الصرف الزمني الواضح في كل مؤسسة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تراكم المبلغ الذي «لابد من صرفه»، ويقول: «ضمن هذه البيئة، وفي ظل ضعف الأجهزة الرقابية وانعدام الحس الوطني، وانتشار الفساد، تنظّم عقود لا يهمها جودة التنفيذ وكفاءة الإنفاق، وإنما الهدف صرف الكتلة النقدية المتبقية، بغض النظر عن العائد الاقتصادي أو الاجتماعي وعن سوء التنفيذ، ويتم في حالات كثيرة تقاسم نسبة من الربح بين الجهة عاقدة النفقة أو المشرفة على التنفيذ، والجهة المنفذة، ولاسيما في عقود التراضي أو العقود السنوية للصيانة وغيرها».

في السياق ذاته، يشرح الدكتور حزوري بلغة عملية أن تصنيف سورية يبدو متأخراً بشكل كبير، وفق مؤشر كفاءة الإنفاق الذي تم اعتماده، في المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا، وضمن تقرير التنافسية العالمي والذي يهتم بمسائل الالتزام بكفاءة الإنفاق العام، وتحقيق الكفاءة عبر استخدام الموارد والحد من الهدر، في حين احتلت الإمارات العربية المتحدة المركز الأول عالميا في مؤشر الإنفاق الحكومي لعام 2018، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة ودقيقة للأنظمة واللوائح المالية المطبقة.

وإلى حين ذلك، يبقى المال العام مفتوحاً أمام هدر مقونن، وفساد لا يمكن ضبطه، يضاف إليه مشاريع لا يمكن في كثير من الأحيان حتى أن نسميها «مشاريع»، الأمر الذي قد يشرح جزءا لا بأس به من أسباب سوء الكثير من المشاريع الحكومية، وفشلها، وسبب تنفيذ معظم المشاريع الحكومية في الربع الرابع من العام، فصرف ما في الخزنة يضمن امتلاؤها من جديد، أياً كان شكل هذا الصرف ونتيجته.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...