fbpx

هل نحن مواطنون حقاً؟

0

أظهرنا في الجزء الأول من هذا المقال أن المواطنة لا تكون إلا مع المساواة في الحقوق والواجبات، وأن العديد من أوجه هذه المساواة غير متوفرة في سورية، فهي قائمة على أسس عديدة كالدين والجنس والانتماء الحزبي.

لكن “الدستور” الموصوف بأنه أبو القوانين، هو الحاكم الأساس في علاقة الناس بعضها ببعض في أي بلد، كما في علاقتها المتبادلة مع السلطة.

هكذا يفترض على الأقل! لأن الواقع السوري شهد تهميشاً شديداً في الدستور الذي كرس هو أصلاً اللامساواة.

لندع الدستور الأسبق، 1958، فقلة من الناس اليوم عاشت في ظله (البعض عاشه في مرحلة الطفولة فحسب)، ولنرى الدستورين الأساسيين لحياتنا: 1973 و2012.

في الدستورين نص صريح عن “عروبة” سورية وانتمائها إلى قومية محددة، واعتبار شعبها من “قومية واحدة” هي العربية! (المقدمة والمادة 1).

أي أنهما أنكرا وجود القوميات الأخرى، وبالتالي حجبا أي حقوق تخصهما، خاصة الكردية التي ينتمي إليها أكثر من مليون شخص، (البعض يشير إلى 2٫5 مليون)!

وفي الدستورين تمييز صريح لصالح “المسلم”، بتسمية “الفقه الإسلامي” على أنه “مصدر” للتشريع، مع تجاهل لغيره! (المادة 3)

وفي الدستورين تقسيم ديني صريح بحصر منصب رئاسة الجمهورية بـ”مسلم”!

وزاد دستور 2012 الطين بلة بالقول بأن “الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية”، وبالتالي تسليم للأشخاص بأن ما يقره رجال الدين الذين يديرون المنتمين إليه هو الحكم في كل ما يخص علاقاتهم ببعض وبغيرهم من حيث الزواج والطلاق والأطفال، أي في صلب وأهم ما في حياة أي إنسان. (المادة 3).

وفي الدستورين إقرار صريح غير مباشر بأن منصب رئيس الجمهورية هو حكر على الذكور، فكلاهما تضمن مادة في شروط الترشح عن ألا يكون “متزوجاً من غير سورية”، بصيغة لا تقبل اللبس بأن الذكور هم وحدهم المعنيون.

خلا دستور 1973 من أي نص صريح عن المساواة بين الجميع من دون تمييز على أساس الدين أو الجنس أو القومية… وهذا منسجم مع المادة الثالثة فيه. أما دستور 2012 فنص على أن “المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة” (المادة 33)، في تناقض صريح مع المقدمة والمادتين 1 و3.

تضمن دستور 1973 مادة صريحة تعطي الصلاحية المطلقة، والاحتكارية، لحزب على المجتمع والدولة (المادة 8)، فيما حذفت في دستور 2012.

في العديد من المواد وضعت صيغ “مطاطة” تسمح بأن يكون “القانون” الذي يترجمها في أقصى المساواة، كما تسمح له أن يكون في أقصى التمييز. مثل المادة الخاصة بقانون الجنسية، ففي الدستورين ترك أمر تنظيمها لـ”القانون”، القانون الذي رأيناه يمنح الذكور هذا الحق بشكل مطلق، فيما يحرم النساء منه بشكل مطلق أيضاً.

إذاً، فإن الدستورين نصا صراحة على أن الناس في سورية ليسوا على قدم المساواة في الحقوق والواجبات. فحقوق المسلمين هي غير حقوق المسيحيين واليهود والدروز، في الزواج والطلاق والإرث والأطفال، وحقوق الرجال هي غير حقوق النساء في الأمور نفسها. وللرجال حق مطلق بمنصب رئيس الجمهورية فيما تحرم النساء منه. كذلك للمسلمين حق مطلق احتكاري بالمنصب نفسه الذي يحرّم على غيرهم.

وللعرب حقوق مطلقة في ترويج ثقافتهم القومية عبر الإعلام والمدارس و… وإنكار مطلق لغيرهم في الأمر نفسه.

كذلك الأمر فيما يخص حق تنظيم الجمعيات، ففي الدستورين تجاهل لحق القضاء الحصري في الرقابة على إنشاء الجمعيات وعملها، وهو أمر قد يبدو عادياً لولا أن القوانين التي شهدتها سورية في هذا المجال أثبتت أن بإمكان السلطة تدمير هذا الحق بوسيلة بسيطة: إعادة كل ما يتعلق بها إلى السلطة التنفيذية.

في دستور 1973 (الذي تحكم بحياة كل من السوريين والسوريات اليوم في الأعمار بين 6 و46 عاماً) نصوص كثيرة تؤكد أن كل أشكال الوجود المجتمعي تصب حصراً في خانة “القومية العربية” و”النظام الاشتراكي”، ضمناً الجمعيات ودعم المرأة والشباب والثقافة والتعليم وغيرها… الأمر الذي يعني فعلياً أن الدستور يمنع بشكل غير مباشر أي نشاط لا يصب في هذه الخانة، على الأقل هو يسخّر أجهزة الدولة كلها لهذه الأهداف، رغم أن الدولة هي دولة كل السوريين والسوريات أيا كان معتقدهم الحزبي وأصلهم القومي. بل إن القسم الجمهوري في هذا الدستور نص صراحة على أن يعمل الرئيس على خدمة أهداف حزب البعث العربي الاشتراكي: الوحدة والحرية والاشتراكية.

هناك الكثير من التفاصيل الأخرى التي تحتاج إلى شرح مطول لإثبات أنها تمييزية، فهي تعتمد صيغاً ملتوية يستند بعضها إلى بعض، وهو ما يحتاج الكثير من الصفحات.

إذا، فإن السوريين عاشوا حياتهم في ظل دولة مستقلة يثبت عقدها الاجتماعي (الدستور) التمييز بينهم بشكل صريح وواضح في العديد من المسائل الرئيسية، وبشكل موارب في أخرى.

فإذا كان الدستور كذلك، وهو المستند الذي يفترض أن كل قانون يتناقض معه هو قانون باطل (أقله بعد 3 سنوات من إقرار الدستور، حسب دستور 2012)، فكيف هو الحال مع القوانين التي تجاوزت الدستور مسافات طويلة في إقرار التمييز على أسس القومية والدين والجنس والاعتقاد الحزبي؟!

كلنا نعرف هذا الحال، ونعرف أنه كان سبباً أساسياً فيما وصلت إليه سورية من اختناق في نهاية العقد الماضي، اختناق شكل الفرصة الذهبية لكل من انتظر طويلاً لتدمير سورية، فوجد الحال قد صار مناسباً، والعشب الأخضر قد جف ويبس وبات جاهزاً للاشتعال، فلم يحتج الأمر أكثر من شخص يحرق نفسه احتجاجاً على “عربية خضرة” في بلد آخر، وبضع معتوهين يحلمون بجنة إباحية لا يتوقفون فيها عن فض البكارات، وأموالاً كافية من بلدان ليس فيها أصلاً دستور ولا عقد اجتماعي، فاشتعلت لتحرق حياة مئات آلاف السوريين والسوريات، وترفع نسبة المعوقين بشدة، وتدمر البنية التحتية، وتزيد التمزق القومي والديني والطائفي بحدة لم يسبق لسورية أن شهدتها في تاريخها كدولة مستقلة ذات سيادة

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...