fbpx

«الواقع السيء» أو «هذا ما يريده الناس».. هل يجب أن يمنعنا من التغيير؟!

0

قلما يجري حديث عن أمر يخص المجتمع وتطوره وتطويره، من دون أن يخرج الكثيرون ليعترضوا بعبارة «لكن مجتمعنا لا يقبل كذا…» وبالتالي فلا نستطيع سوى أن نكون كما هو يريد!

حجة نافلة لم يكن لها قيمة في يوم من الأيام، ولا قيمة لها اليوم، سوى بصفتها “قناعاً” يتلطى خلفه من يرفض التطوير والتغيير، سواء كان يمتلك سلطة على المجتمع، أو على أسرته، أو على نفسه فحسب.

لكنها حجة نفعت دائماً في منع تطوير المجتمع من قِبل السلطات المعنية كما من قِبل من يُفترض أنهم “ناشطون ومثقفون”. منعت التطوير، أي الفعل المقصود المبرمج لتحقيق تطور محدد، ولم تمنع “التطور” الذي يحدث حكماً بقوة الحياة نفسها، ولا يستطيع أحد رده.

فحين تحتج على طوفان الأغاني المنحطة التي تجتاح الإذاعات، يكون الرد البسيط: هذا ما يريده الناس! وحين تتساءل عن ترويج مصطلحات تدعم الإرهاب والتطرف مثل تسمية داعش الإرهابي بـ ”جماعة مسلحة” من دون أي إشارة للإرهاب في مبناه ومقاصده وأفعاله… يقال لك: هذا ما يعجب الناس!

وحين ترفض سياسة الإعلام الرسمي في حجب أي انتقاد للسلطة الدينية ورموزها وخرافاتهم وخزعبلاتهم التي ينشرونها هنا وهناك، يأتيك الرد فوراً: لا نستطيع تقديم ما يرفضه الناس!

وحين تقول إن قانون الجمعيات مفصّل تحديداً لمنع أي مبادرة في المجتمع، يسارع الكثيرون: المجتمع غير ناضج! وحين تقول إن 7 قوانين أحوال شخصية في بلد واحد تعني أنه ليس “وطناً”، بل مجرد تجمع عشوائي لـ ”سبعة” كيانات منفصلة، يصرخ الآخرون في وجهك: ذاك خط أحمر عند الناس!

من هم هؤلاء الناس؟! من الذي بحث عن حقيقة موقفهم، مثلاً، من منح وزارة الأوقاف سلطات تجعلها فوق سلطة الدولة، وتحقق للإسلام السياسي بعضاً مما عجز عن تحقيقه بحرب طاحنة ما تزال مستمرة منذ سنوات سبع؟!

بالأحرى: من الذي قدّم للناس معرفة حقيقية، بسيطة، واضحة، عن مصلحتهم في المواطنة المتساوية، ثم تأكد أنهم يرفضون ذلك ويفضلون أن يكونوا طبقات بعضهم فوق بعض، دينياً وطائفياً وقومياً وحزبياً، فيحضّرون أولادهم لحرب طاحنة تلو أخرى ستنجم حكماً عن غياب تلك المواطنة؟!

لا أحد!

يعرف الجميع أن السلطات السورية قد تتساهل في الكثير من الأمور، ليس بينها، إطلاقاً، البحث والدراسة في أي من جوانب حياة الناس! وهذا ليس، بالتأكيد، عفو الخاطر! فالأمر هو حقاً بسيط، ولا يجري تبسيطه الآن لتشويهه أو لتسخيره لصالح وجهة نظر محددة.

الأمر البسيط هو أن الناس، كل الناس، تسعى إلى كل ما فيه مصلحتها ومصلحة الأجيال الجديدة فيها. أمر مغروز في جينات كل منا. أمر سابق على أي وعي أو معرفة. أمر أقوى وأصلب وأثبت من كل ادعاء كان.

لكن، كيف ستعرف أن مصلحتها ليست فيما تتوارثه، أو فيما يدّعيه هذا المعمم أو ذاك، أو فيما يحاول فرضه صاحب السلطة هذا أو ذاك؟! كيف ستعرف أن مصلحتها هي في الديموقراطية مثلاً، وأن الديموقراطية هي القادرة على تحقيق أمن وأمان حقيقيين؟! كيف ستعرف أن الفساد ليس “قدراً” على المجتمعات جميعهاً، بل هو نتيجة مباشرة لغياب إمكانية الرقابة على السلطة، فهو، حكماً، ابن السلطة المتحررة من رقابة الناس؟!

لن تستطيع أن تعرف، لأن الجميع يهرب من تقديم هذه المعرفة لها!

السلطة لا تريد ذلك لأن لا مصلحة لها فيها! السلطة الدينية ترفض ذلك لأنه يفضح حقيقتها الزائفة! الأحزاب تخشى ذلك لأنه يكشف أنها ليست سوى “شلل” انتهازية على أقل تقدير! الجمعيات والمنظمات ترفض ذلك لأنه يكشف خفاياها “الدسمة”! وكثير من الأشخاص يرفضون ذلك أيضاً لأنهم لا يريدون أن يتحملوا مسؤولية أي موقف واضح!

إذا كان الأمر كذلك فمن أين سيأتي التغيير؟ كيف سيتمكن السوريون من مواكبة القرن 21، وهم غارقون كلياً في الدم الديني والطائفي والحزبي والقومي؟! كيف سيتخلصون من مكانتهم المتدنية في آخر دول العالم رفاهاً ورقياً وهم يعتقدون أنه “لم يكن بالإمكان أفضل مما كان”؟!

لن يتمكنوا أبداً ما لم يقرروا أن الوقت قد حان لنفض كل تلك الأسمال عنهم! قبل أن يقرروا أن مصلحتهم ومصلحة أبنائهم في حياة حرة كريمة هي بالضبط في دستور وقوانين ديموقراطية وعصرية ومدنية تحترم كل منهم بصفته إنساناً، لا بصفته تابعاً لهذا الشيخ أو ذاك الخوري! لهذا الحزب أو ذلك الجد! لهذا المتنفذ أو ذاك الزعيم!

ولن يقرروا ذلك إن لم ينكسر هذا القيد المفروض (من أصحاب السلطة في الحكومة وخارجها) على معرفة الحقائق البسيطة من دون مواربة ولا مراعاة.

الواقع سيء! بكل تأكيد. ولو لم يكن كذلك، فمن أين تأتي الحاجة إلى التغيير؟ الواقع السيئ هو الذي يقتضي التغيير! الواقع السيء هو الذي يقول لنا: شمّروا عن زنودكم لكي أتغير، فتتغير حياتكم!

أي: لو لم يكن الواقع سيئاً لما وجدت الحاجة أصلاً للتغيير. وبالتالي، فإن التحجج بما “يريده” الشعب أو “يرفضه” الشعب، هو مجرد برهان آخر على مدى سوء هذا الواقع، ومدى الحاجة إلى التغيير، وليس برهاناً على ضرورة “المسايرة” و”الصمت”.

لطالما تعلمنا، في البيت والشارع والمدرسة، أن عليك أن تقبّل اليد التي لا تستطيع ردها، وتدعو عليها بالكسر!

ربما حان الوقت لنعرف أن ما يكسرها، أي يردها عن إمكانيتنا لنتطور ونتغير أسوة بشعوب الأرض التي لا تملك جينات أفضل منا، هو إرادتنا بالتغيير، لا أي أمر آخر.

هل نستطيع الأن الإجابة على سؤال العنوان؟ لا، الواقع السيء لا يمنع من التغيير، بل هو يقتضي التغيير، ويفرضه على كل عاقل.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...