fbpx

أيّ كيانية في شرق الفرات؟

0

يحدث في منطقة الجزيرة السورية شيء من مُكر السياسة ومُكر التاريخ، ثمة نوع من الالتباس الذي يتطلّب تفكيكه الكثير من الوقت والجهد. وقد برز مشروع الكيانية شرق الفرات في أقل فضاءات ونطاقات الإقليم توقّعاً، إذ لم يتم إدراج سوريا في الدراسات الكردية حتى وقت مُتأخّر نسبياً من القرن العشرين، بل إن ذلك ربما بدأ فعلياً مع اندلاع الأزمة السورية.

ثم إن تلك الكيانية اعتمدت – بشكلٍ رئيس – على طرفٍ لم يكن من السهل مُجرَّد التفكير فيه، وهو الولايات المتحدة، الحليف الرئيس لتركيا، العدو الرئيس للحركة الكردية الأمّ حزب العمّال الكردستاني. كما أن الكيانية نهضت في مواجهة النظام السياسي في دمشق الذي كان من أهم النُظم التي دعمت الحركة الكردية الأمّ أي حزب العمّال الكردستاني وآوت قائده التاريخي عبد الله أوجلان. وجاء ذلك في سياق لحظةٍ لم يكن بالإمكان توقّعها، وفي دولةٍ كان يُعتَقد أنها قوية ومُتماسِكة بما يكفي لتفادي موجة الاضطرابات والاختلالات والأهوال المسمّاة خطأ بـ”الربيع العربي”.

لعلّ أحد أهم شواغِل القوى الكردية، هو محاولة الحصول على “جغرافيا مُؤسِّسَة” لكيانية كردية في سوريا؛ صحيح أن الكرد يسيطرون على مساحاتٍ واسعةٍ، إلا أنهم لم يتمكّنوا من خَلْقِ حيِّز جغرافي مناسب لتأسيس تلك الكيانية، ذلك أن الكرد في سوريا موزّعون على كامل الجغرافيا السورية تقريباً، كما أن العرب والترك والشركس والأرمن وغيرهم يشاركونهم الجغرافيا، حتى في أكثر مناطق وجودهم كثافةً. وثمة “فواصِل” جغرافية وإثنية عربية على امتداد 130كم بين كانتوني الجزيرة وعين العرب (كوباني)، أهمها مدينة تل أبيض، ويفصل بين “عين العرب” وعفرين (سيطرت عليها ميليشيات مسلّحة موالية لتركيا في بداية العام 2018) جغرافيا كبيرة نسبياً من المدن والبلدات والقرى العربية.

تمثّلت الاستجابة الكردية للتحدّي الجغرافي في مستويين رئيسين من الفعل، يمضيان بالتوازي: الأول هو إقامة “جغرافيا مُتخيّلة”، باسم “روج آفا”، الثاني هو العمل على هندسة ديمغرافية وتكوين جغرافيا مُتّصلة من خلال العمل السياسي والعسكريّ.

وهكذا تبرز جغرافيتان: الأولى لـ “التأسيس” وهي جغرافيا كردية أو ذات أكثرية كردية، تتمثّل بمناطق “كانتونات” القامشلي، عين العرب، عفرين (قبل الاحتلال التركي لها). والثانية لـ “التمكين” وهي جغرافيا سوريّة بقيادة كردية، وقد أعلن الكرد مراراً إنهم سيضمّون أية مناطق يسيطرون عليها إلى “الفدرالية”.

يمكن الحديث عن نمطٍ مركَّبٍ من الكيانية في شرق الفرات، فقد بدأت بمحاولة إقامة كيانية كردية تستند إلى بنى محلية موازية للبنى التي أقامتها الدولة المركزية، بحيث يتمّ تعزيزها تدريجاً، في ضوء خبرة وتجربة الحرب وتطوّرات الحدَث السوري.

ولكن الأمور تحوَّلت بتأثيرٍ أميركي مباشر من مشروع كيانية للكرد إلى مشروعٍ لسوريا ككل، بديل للنظام السياسي والدولة المركزية، وفق مقولة “سوريا الديمقراطية” والإدارة الذاتية ثم الفدرالية لمنطقة الجزيرة.

ثم تراجع الأمر بفعل إكراهات الحدث إلى مشروع كيانية في شرق الفرات يقودها كرد موالون للولايات المتحدة، تشارك فيها عشائر عربية، ويمكن أن تكون أساساً ومُنطلقاً لرهانات وسياسات الولايات المتحدة في سوريا والمنطقة، يشاركها في ذلك عدد من حلفائها الغربيين مثل بريطانيا وفرنسا. وربما طلبت واشنطن من الرياض الإسهام في تمويل تلك الكيانية، ولهذه الأخيرة أغراض خاصة بها أيضاً.

قامت علاقة اعتماد مُتبادَل (قلْ تبعية واختراق) بين الولايات المتحدة والفواعِل الكردية، أصبح الكرد معها “ذراعاً” و”ذريعة” للأطماع والرهانات الأميركية في شرق الفرات وسوريا، ومَكَّنُوهم من إقامة قواعد عسكرية ومطارات وغيرها في مواقع كثيرة، كما مكَّن الأميركان القوات الكردية من توسيع نطاق سيطرتها إلى أكثر مناطق شرق الفرات أو الجزيرة، وبعض المناطق غرب الفرات.

ينخرط الكرد بشكلٍ مُتزايدٍ في التجاذُبات والرِهانات الإقليمية والدولية حول سوريا، وقد تحدَّث صالح مسلم الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي لصحيفة “الرياض” السعودية، عن “وجود تحالف إيراني تركي قطري”، قال: إنه “غزانا في عُقر دارنا وتسبَّب في استشهاد الآلاف من فلذات أكبادنا”. وأطلق قياديون كرد تصريحات مُناهِضة للحشد الشعبي في العراق، و”غازلوا” مراراً المملكة السعودية، في مؤشِّرٍ على استعدادهم للانخراط في سياسات السعودية أيضاً ضدّ سوريا والعراق وإيران وربما تركيا.

صحيح ألا أساس كردي لكيانية كردية في شرق الفرات، لكن لا بدّ من مُلاحظة أن الكيانيات القائمة أو المزمَعة هناك ليست مَحْض كردية، إنما هي أميركية بالأساس، كما أن الكيانات التي قامت في المنطقة ككل، من دول وأشباه دول، ربما قامت بكيفيّات مُشابِهة: استعدادات وقابليات محلية، أزمة أو مواجهة كبرى، تدخّل إقليمي ودولي، وإخفاق البدائل الأخرى.

لا ننسى أن إقامة كيانية في شرق الفرات لم تكن حلماً مَحْض كردياً بالتمام، ثمة من أراد ذلك في الماضي، وهو فرنسا بالتوافق مع أولويات أميركية وصهيونية في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، عندما كانت محاولات إقامة كيانية كلدو-آشورية-عربية-كردية في منطقة الجزيرة التي استمرّت حتى العام 1946. وكان آنذاك تفكير بأن تكون الجزيرة وطناً بديلاً للفلسطينيين أيضاً!

ليس الكرد وحدهم مَن وضعوا رِهاناتهم وأحلامهم وقواهم في خدمة الولايات المتحدة، هناك سوريون آخرون فعلوا مثل ذلك وأكثر. وما يحصل في منطقة الجزيرة، حصل مثله وأكثر في درعا والقنيطرة والغوطة، لكن دمشق أجهضت ما كان، وأعادت تلك المناطق إلى سياق الدولة.

نقلا عن الميادين

تعليقات
Loading...