fbpx

التعديل الحكومي: البحث في صندوق الموز عن «برتقال وطني»!

0

توصف العشوائية عادة بأنها تصرّف غير حكيم أو غير مسؤول أو غير مجد، لكن سيكون من الجيد إطلاق النار العشوائي على مجموعة من الأعداء المسلحين المهاجمين فأي إصابة في صفوف الأعداء ستكون على صواب، كما ذلك فإن توجيه الاتهام بالتقصير والفساد لأي وزير كيفما اتفق في الحكومة السورية سيكون اتهام صائب حتماً. إن التاريخ الحكومي في عقول السوريين والممتد لبضع عشرات من السنين كان يعني إضافة للفساد، تحقيق بعض الإنجازات المهمة الخدمية، التنموية، الصناعية، والقرارات والاتفاقيات… إلخ فكل البنى التحتية في سورية، من أبنية خدمية وطرق ومعامل قطاع عام واتفاقيات، هي من نتاج الجهود الحكومية في سورية، وهو ما جعل الدولة أو القطاع العام في سورية ضمانة للمجتمع بكل طبقاته خصوصا في التسعينات وبداية الألفية الثانية، مع التأكيد على عدم خلوّه، من مفهوم النهب العام الذي شكل عبر تلك السنوات، منظومة موازية للمنظومة الحكومية، بتشاركية المصالح المادية والتغطية القانونية عليه. حرب الحكومة منذ بداية الحرب شكلت آثارها نتائج مروعة على كثير من القطاعات، وكان الشعب هنا متفهم لكل ارهاصات الحرب التي يخوضها، ومتأقلم مع الوضع الجديد كانقطاع الطرق، ونقص المحروقات، وتقنين الكهرباء، والحالة الأمنية السيئة، وطول فترة التجنيد، فلم يطالب أحد لا بصيانة سكة حديد اللاذقية حلب، ولا بترويج مدينة تدمر سياحياُ في أوروبا، ولا بتفعيل اتفاقيات تبادل تجاري مع العراق، واتخذ الشعب نفسه من مبدأ «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

أسلوب حياة تكرس فيها كل الجهود لمواجه الإرهاب، وإعادة تثبيت الدولة القوية، والأمان. لكنه اليوم ومع تلويح الحرب لنا مغادرة، غير مأسوف عليها، لم يعد الشعب يطالب بأقل مقومات الحياة ككل المخلوقات البشرية، بل ينفذ أيضاً محاكمة شعبية على كل المسؤولين الذين أساؤوا لصموده خلال سنوات الحرب، أو استغلوا مناصبهم، أو حاولوا الالتفاف على انتصارات الجيش العسكرية، عبر اتفاقيات أو إجراءات غايتها عمل تغيير على الحالة المجتمعية أو الثقافية، وهو أمر شبيه بالحراك الشعبي، الذي رفض مشروع المرسوم 16 الخاص بوزارة الأوقاف.

في نفس الوقت الذي أظهر فيه الشعب تفوقاً في التأقلم والذكاء والتفهم والرجولة والصمود… أظهر الجانب الحكومي صفتان طاغيتان: الأولى حالة العقم المفرطة لدى الكثير من المسؤولين، في تنفيذ أو ابتكار أي حل أو اجراء، يساعد الشعب في أي مجال، وكأننا أمام مجموعة من المخصيين غير القادرين على التلقيح والإنتاج، بالتوازي مع إظهار فحولة وهمية، متمترسة خلف السوق السوداء للإعلام، عبر صفحات الفيسبوك التي تعمل على التسويق للوزير، أو المسؤول للحصول على مقابل مادي أو امتيازات أخرى، وعبر الأقلام المطروحة للإيجار المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي، أو متوزعة في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمقروءة، تعمل على تمرير مقالات أو مقابلات تمجد بالمستأجر، إضافة إلى عدسات تصوير سلوك «غير المنتبه»!! وأضحى المسؤول الأفضل هو المتعامل مع أفضل تسويق إعلامي، وتلك الحالة مستنسخة من لبنان الشقيق، حيث لكل وزير منبر إعلامي يسوّق لإنجازاته المعدومة ويبرر لأخطائه المتكررة، فيما بقي الشقيق في حالة أشبه بانعدام وجود دولة من أصله. والصفة الثانية: هي تغوّل منظومة النهب العام وتطورها، والتي كانت تشكل مع صف بعض أمراء المال دولة خفية، تظهر رؤوسها الشامخة في استثمارات القطاع الخاص على حساب انهيارات وخسائر القطاع العام، وقرارات وأنظمة زادت في تمركز رؤوس الأموال…

لكن في السنوات الأخيرة أضافت منظومة النهب العام تحالفاً جديداً مع شبكة من أمراء الحرب حديثي النعمة، مستغلة حالة الفلتان الأمني، حول هذا التحالف المنظومة من حالة «فاستتروا» إلى حالة «مافيا» وقحة، كل سوء فيها مباح. فأثرت وستؤثر مستقبلاً حتى على أسعار الخدمات والمواد الغذائية. التغيير الحكومي… عندما يكون لديك صندوق من الموز، وبدأت بتقليب صندوق الموز بحثاً عن برتقالة، (ربما رغبة منك بدعم فلاحي وطنك)، لكن صدقني لن تجد برتقالاً وطنياً هنا… فكل الصندوق موز… وكل الصناديق أيضاً… وحتى مخازن التخمير في المؤسسة. الوطني ستجده تحت الشجرة الأم فقط. كذلك التغييرات الحكومية التقليدية… إنها من جنس واحد، الوزير الفاسد أو المترهل سيبني خلفه شبكة من المؤيدين له من معاونين ونواب ومدراء، وسيقصي عن المشهد كل من هو غير ذلك، أي سيقصي كل المؤهلين والناجحين والوطنيين حقاً، وأمام عادة غريبة هي عدم مسائلة ومحاكمة الفاسدين مالياً وإدارياً… سنبقى حيث تركنا الزمن… وكأن التغيير لم يجر!

الرئيس الأسد وخلال لقائه بالوزراء الجدد، وفي سياق حديثه عن صبر الشعب وتضحياته قال: «من حق كل من صبر وقدّم أن يرى نتائج هذا الصبر، فهؤلاء ضحوا من أجل ثمن كبير هو الوطن الأفضل، ومن حق هؤلاء أن يروا الأفضل، ومن واجبنا أن نجعلهم يروا هذه النتائج وفي مقدمتها مكافحة الفساد»، وأضاف في تعليقه عن الفساد «إن الفساد لا يقتصر على استخدام السلطة من أجل تحقيق مصالح خاصة فقط، وإنما أي خلل في الدولة هو فساد، فهدر الأموال العامة وضرب المؤسسات وتراجع نوعية الخدمات المقدمة، هي أوجه للفساد تؤدي إلى تعميم ثقافة الإحباط والفوضى وعدم الانضباط لدى المواطنين، مما يعني عملياً تفتيت المجتمع، ولذلك يعتبر الكثيرون أن الفساد والإرهاب هما وجهان لعملة واحدة». ونحن هنا ننتظر كما انتظرنا سابقاً، مع تقلص مؤسف لهامش الأمل والتفاؤل.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...