fbpx

لاتزال الإشارة إليه ممنوعة في وسائل الإعلام المحلية

0

هو واحدٌ من ثلاثة شعراء هم: أبو النواس والمتنبي، وبالتأكيد أدونيس، ربما لم يفوقهم على مدى تاريخ العربية جدلاً وسجالاً؛ العربية التي لم تعرف مُبدعاً شغل الناس، وأثار كل هذا الجدل الطويل بما يصرح، ويقول، وينتج، كما فعلها «أدونيس» والاثنان اللذان قبله، هؤلاء الثلاثة الذين يتقاطعون بالكثير، سواء بالتجديد في مضمون وبنية القصيدة العربية، أو بتلك العلاقة المُتلبسة والمُريبة مع السلطة الحاكمة كلٌّ في زمانه… هؤلاء الثلاثة الذين مازالوا يثيرون الأسئلة في بحثها الطويل عن الحقيقة، الحقيقة التي طالما أشار إليها أدونيس نفسه في غير مُناسبة، «لا تطمئنوا كثيراً أيها السادة…»، لأنّ الحقيقة هي أمامنا وليست خلفنا… وكاذبٌ من يدّعي أنه امتلكها، ومن يُصرّح على الدوام أن الحقيقة في جيبه، ليس أكثر من دعوته لعطالةٍ فكرية، تضع العقل في سرير الغيبية الطويلة التي كان نتاجها سفك كل هذه الدماء وكل هذا الخراب…

أدونيس الذي خاطب من كان يظن أنهم أطراف الصراع في سورية وعليها منذ بداية هذه الحرب الكونية قبل 8 سنوات، وحينها لم تكن قد أريقت نقطة دمٍ واحدة؛ بأن انتبهوا، وحتى تخرجوا بسورية من هوة الخراب القادمة، موجهاً برسالتين يضع فيهما دليل السلام على دروب الخلاص، وذلك من موقعه كمفكر وفيلسوف يُقيمُ في منطقة وسطى تُعطيه الحق أن يقول رأيه من دون أن يزعج أحداً لما فيه خير سورية، غير أن الذي حدث أنّ أحد الأطراف تجاهله تماماً، وكأنه لم يسمع شيئاً مما حذّر منه، فيما الآخر أهدر دمه ونادى لاغتياله. وتراجيديا أدونيس ليست في مسيرة حياته التي بدأت يوم ركض طويلاً وحافياً، لملاقاة رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي خلال إحدى زيارات الرئيس حينذاك إلى الساحل السوري أيام النصف الأول من القرن العشرين، ركض الفتى حافياً وشبه عارٍ ليُلقي بين يدي الرئيس تلك القصيدة التي كانت جواز دخوله المدرسة العلمانية الفرنسية في طرطوس، وهو من ضيعة بعيدة – قصابين – في ريف جبلة. تراجيديا أدونيس أيضاً كانت في مواقفه وكتاباته التي كانت تجرُّ عليه غضب أطراف كثيرة، وأظن أن المتلقي السوري وحتى العربي ما زال يذكر الفصل التراجيدي عندما تمّ طرده من اتحاد الكتاب العرب.

أدونيس الذي مَنح عشرات الشهادات الأكاديمية لطلاب الدراسات الجامعية والعليا من خلال الأبحاث التي تمّ تأليفها حول كتبه سواء الفكرية أو النقدية أو الشعرية في الكثير من جامعات العالم، بقي غائباً عن مناهج التعليم في سورية، ولطالما مرت مراحل طويلة يُمنع على وسائل الإعلام المحلية أن تذكر حتى اسمه… وحتى طيلة السنوات الثمانية خلال هذه الحرب الطويلة على سورية، كانت التوجيهات واضحة لا تذكروا اسم أدونيس في موادكم الإعلامية والصحفية… أقول التوجيهات لأن ليس هناك من قرارات رسمية في المنع…

غير أنّ المفارقة – وهي محور هذا المقال – أنه وأثناء توجيهات المنع من ذكر أدونيس في وسائل الإعلام المحلية؛ تمّ ولأول مرّة في تاريخ المناهج الدراسية السورية إدراج قصيدتين من مجموعتين شعريتين لأدونيس في مناهج الثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي، صحيح أن إدخال القصيدتين «الأدونيسيتين» في الكتب المدرسية بدا خجولاً، ولكنه كان كافٍ ليدخل بعض الفرح لقلب شاعرٍ سوري مرشحٌ لنيل جائزة نوبل للسلام من سنين بعيدة، وعندما سُئل عن رأيه حول تدريس بعض قصائده في المناهج السورية؛ أجاب بخيبة بطعم الفرح حسبما نُقل عنه: «لقد تأخرتم خمسين سنة!» كما تمنى لو اختيرت إحدى القصائد في منهاج الثالث الإعدادي، وليس الثانوي لتكون تمهيداً للقصيدة الثانية.

وأما القصيدة التي اختيرت للفرع الأدبي، فكانت من ديوانه الشهير «أغاني مهيار الدمشقيّ» وهي قصيدة (أفقي وعد) لتكون محور الحداثة في منهاج الثانوية السورية (2016-2017م)، ونقرأ هنا بعضاً مقاطعها:

عابرٌ أحملُ خُطوتي وبي/ ظمأ الرمل وفي خطوي بحارُ/ من أنا؟ أيّ هوى أحيا له؟

يا هوى ضيعني، مُرَّ على/ حيرتي، مُرّ على شطآنها/ وسل الأصداف عن كُهّانها/ أي سرٍّ لي في أعماقها

أي حلمٍ لي في أجفانها؟/ وبخورٌ مُذهبُ النار، ونارُ/ هذه القصيدة التي يراها معدُّو الكتاب؛ إنها تتضمّن قضية إنسانية وجودية، أراد الشاعر البحث عن إجابة لها، أمّا القصيدة الثانية التي تمّ اختيارها، فكانت من ديوانه «قصائد أولى»، وهي التي تمنى لو تمّ إدراجها في منهاج الإعدادية على ما ينقل عنه الباحث عدنان شاهين، والتي كانت بتقدير شاهين؛ أنه جاء اختيارها لتكون شاهداً على انحياز أدونيس للفقراء والمُشردين، مُصوراً شكوى البائسين، ومظاهر مُعاناتهم، ومُحرضاً على استعادة الحقوق، ومُتغنيّاً بنضال الكادحين ضد المستعمرين الدخلاء، بقاماتٍ لا ترضى أن تموت إلا واقفة.

ومن قصيدة «المشردون» هذه نقرأ بعض المقاطع:

في أوّل العام الجديد/ قالت لنا/ آهاتنا، قالت لنا:/ شدوا الرحال إلى بعيد،/ أو فاسكنوا خيم الجليد/ فبلادكم ليست هنا

نحن الذين على الدخيل تمرّدوا،/ فتهدموا وتشرّدوا/ أكل الفراغُ نداءنا،/ ومشى الأمام وراءنا،/ أيامنا جمدت على أشلائنا،/ وتقلصت كدمائنا/ صارت تعيشُ على الثواني،/ صارت تدور بلا زمان.

بقي أن أشير إلى ضبابية الجهة التي تُعطي التوجيهات، سواء في المنع من الإشارة إلى ذكر أدونيس في وسائل الإعلام المحلية، أو قبول الكتابة عنه بإسهاب، حتى أن الأمر يبدو مُلتبساً أحياناً وغير مفهوم. وكأن الوزارات في الحكومة ليست على ذات الرأي نفسه، ففي حين لا يُشار إلى أدونيس في وسائل الإعلام التابعة لوزارة الإعلام، أو في صحف اتحاد الكتّاب العرب، نجد أن مجلات وزارة الثقافة تحتفي به وبنتاجه بين الحين والآخر، وها هي وزارة التربية تُدخل قصيدتين له في منهاج الثانوية العامة بفرعيها الأدبي والعلمي، ولأوّل مرة!!

ونُشير أخيراً إلى الشعراء من أتراب أدونيس أو ممن عاصرهم حيث يتم الاحتفاء بهم منذ زمن طويل في مختلف المناهج ووسائل الإعلام كبدوي الجبل، نديم محمد، محمد الماغوط، عمر أبو ريشة، نزار قباني، وآخرون، وأما أدونيس، فقد تأخر الأمر لخمسين سنة فقط!!

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...