fbpx

«الفريسة» في مجتمع الحرب وما بعده…

0

«باشا بازي» مصطلح أفغاني شعبي يعني عشق الأطفال واستعبادهم جنسيّاً، وهو واحد من السلوكيات المجتمعية القديمة المتفشية في أفغانستان، والتي مازالت مستمرة. يرتدي الأطفال زي الرقص، ويضعون المكياج ويتمايلون أمام الكبار، لإرضاء أهوائهم الجنسية.

الأمر مقزز قد لا يستوعبه العقل، «ولكنه يحدث في أفغانستان وليس في سورية!

إذاً لا داعي للقلق». كان يمكن أن تكون هذه العبارة صحيحة قبل أن تغزو الحرب الشوارع السورية، وتدمّر البنية المجتمعية والقيم في مناطق عدّة فيها، لتكسر حاجز الرهبة، وتطلق العنان لـ «الرغبة»، خالقة مزيجاً غريباً بين «باشا بازي» الأفغاني بصورة جزئية، والقتل كأحد أساليب المتعة في مجتمع هش تحكمه مفاهيم خاطئة، وقيم مشوهة. فالطفل الضحية محكوم عليه بالموت، سواء قتل فعلاً، أو بقي على قيد الحياة، لتغدو الصورة الأكثر دقة لحالة الطفل ضحية الاغتصاب، بأنه فريسة بين مجموعة من الذئاب، الكل ينهشه.

ضجّت وسائل الإعلام السورية ومواقع التواصل الاجتماعية خلال الفترة الماضية بأخبار عدة متلاحقة حول جرائم اغتصاب وقتل تعرض لها أطفال، أشهرها حكاية الطفل الذي نجا بعد إقدام مجرم على ذبحه على سطح أحد الأبنية في المدنية، قبل أن يتم إلقاء القبض على الجاني الذي اعترف بإقدامه على تنفيذ جرائم اغتصاب وقتل عدة، بحق الأطفال بالتعاون مع شركاء له. كذلك ضجت وسائل الإعلام بحكاية طفل في حمص تعرض للاغتصاب والقتل ورميت جثّته في بئر. هذه الأخبار وتواترها المطرد، يفتح الباب أمام الحديث عن ظاهرة بدأنا نلمسها بشكل واضح في المجتمع السوري، الأمر الذي قد يمكّن من البحث فيها بشكل أعمق من مجرد خبر عن حادثة اغتصاب.

لا يعدّ اغتصاب الأطفال، أو الاعتداء الجنسي عليهم حدثاً طارئاً على المجتمعات الإنسانية عموماً، إلا أن تبني المنظمات الدولية لحملات مناهضة للاعتداء على الأطفال ربما قد ساهم في تسليط الضوء بشكل أكبر على هذه القضية، لتظهر بين حين وآخر إحصاءات عن نسب حالات التحرش بالأطفال أو الاعتداء عليهم، الأمر الذي من المفترض أن يساهم في زيادة الوعي المجتمعي حول هذه القضية ومخاطرها على الأطفال والمجتمع ككل، كوسيلة لمكافحة هذا النوع من الجرائم.

الأرقام في سوريا

تسبب خروج مناطق عن سيطرة القانون، وانتشار مئات الفصائل المسلحة والعصابات بحالة فلتان أمني وانهيار للقيم المجتمعية في بعض المناطق السورية، بالتوازي مع عمليات تجنيد الأطفال، وانتشار المخدرات وغيرها، الأمر الذي شكّل تربة خصبة لنمو الظواهر الشاذة بعيداً عن أية رقابة أو محاكمة، ومن دون وجود روادع أخلاقية أو قانونية.

مع بدء عودة المناطق إلى سيطرة الحكومة، بدأت بعض ملامح التغيرات التي طرأت على المجتمع تظهر، كما بدأت تظهر آثار الحرب وانهيار منظومة القيم التي كانت تمثّل حالة ردع في الفترة السابقة للحرب، بشكل واضح.

قبل أيام، كشفت هيئة الطب الشرعي في سورية عن أرقام يمكن أن تكون صادمة لحالات الاغتصاب التي تم توثيقها. مدير الهيئة العامة للطب الشرعي في سورية زاهر حجو ذكر أنه تم توثيق 363 حالة اعتداء جنسي على ذكور وإناث في ست محافظات في البلاد، لنساء وأطفال ومراهقين، من دون وجود رقم دقيق عن حالات الاغتصاب التي تعرض لها الأطفال بالتحديد.

رغم ذلك، تكشف أرقام الطب الشرعي أن حلب احتلت الصدارة في ظاهرة الاغتصاب، حيث تم توثيق 165 حالة فيها، تليها دمشق التي سجلت فيها 110 حالات، في حين تتذيل السويداء وحمص القائمة بست حالات موثقة في كل منها.

الدكتور حجو رأى أنه «رغم ارتفاع عدد الحالات خلال الحرب – وهو أمر طبيعي كإرهاص للوضع الراهن- إلا أنها تبقى من أقل النسب بين دول العالم، حتى تلك التي تعيش حالة سلم ورخاء، ونادراً إن لم نقل من المستحيل أن يفلت الجاني بفعلته وهي نقطة إيجابية تسجل للدولة»، وفق تعبيره.

محاولة البحث في مقدار مقاربة هذه الأرقام للواقع، تصطدم بحقائق عدّة أبرزها أن المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة لم تشهد عملية توثيق للحالات فيها، كذلك يلعب تستّر نسبة كبيرة من الأهالي على حالات تعرض أبنائهم للاغتصاب، دوراً في عدم المعرفة الدقيقة لمدى انتشار هذه الظاهرة. في هذا السياق، يقول حجّو «نسبة كبيرة من حالات الاعتداء التي يتعرض لها الأطفال لا يتم الإبلاغ عنها، قد تصل هذه النسبة إلى أكثر من 80%»، موضحاً أن النسبة العالمية للحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها تبلغ نحو 68%.

مرض اسمه «عشق الغلمان»

الطبيب النفسي جميل ركاب أمين سر الرابطة السورية للأطباء النفسيين، أوضح خلال حديثه إلى «الأيام» أن هناك أمراضا نفسية عديدة قد تدفع الشخص لارتكاب جرائم الاغتصاب بحق الأطفال، أبرزها مرض اسمه «عشق الغلمان» (بيدوفيليا)، وهو مرض مشخص، ويكون عند الرجال الذين لا تشكل لهم المرأة قضية جنسية، وإنما يميلون جنسياً إلى الأطفال. كذلك تساهم أمراض نفسية أخرى في ارتكاب الرجال جرائم اغتصاب الأطفال مثل الاضطرابات الذهانية، والفصام، والشخصيات السايكوباتية المعادية للمجتمع.

يشرح الطبيب النفسي أن فكرة أن يكون الشخص مصابا بمرض نفسي يدفعه لارتكاب جريمة بحق الطفل لا يعفيه من العقوبة، فالأمر هنا يتعلق بحقوق الأطفال، لذلك فإن هذه الأمراض يجب معالجتها، كذلك تتم معاقبة مرتكب هذه الجرائم.

في الفترة التي سبقت الحرب، كان المجتمع السوري أكثر تماسكاً، وكان الرادع الأخلاقي والديني والقانوني له سطوة أكبر على المجتمع، هذا الرادع ومع استمرار الحرب بدأ بالتلاشي تدريجياً، كذللك بدأت الأسر تشهد حالات من التفكك وعدم الرقابة الأسرية على الأطفال، الأمر الذي وفّر فرائس جاهزة يسهل اصطيادها.

يرى أمين سر الرابطة السورية للأطباء النفسيين، أن الأهل والمجتمع يلعبان دوراً هاماً في عدم ردع هذه الظاهرة، عن طريق عدم الإبلاغ عن حالات الاعتداء بداعي الخوف من الفضيحة، والنظرة التي ينظرها المجتمع للطفل، ويشرح «هذا الأمر يساهم في استمرار انتشار حالات الاغتصاب، فالمجتمع يحمّل الطفل بعض المسؤولية، أو ينظر إليه نظرة دونية أو كأنه ارتكب فعلاً معيباً».

نظرة على القانون السوري

يشدد القانون السوري على عقوبات مرتكبي جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، ويقول المحامي علاء السيد لـ «الأيام»: «تعتبر المحاكم السورية اغتصاب الأطفال أو ما يطلق عليه الفعل المنافي للحشمة جناية، وتشدد العقوبة بشكل عام على هذا النوع من الجرائم، ولا يخلى سبيل من يثبت اعتداءه على قاصر». وتنص المادة ٤٨٩ من قانون العقوبات السوري على أنه من أكره غير زوجه بالعنف أو بالتهديد، على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة ١٥ سنة على الأقل ولا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كان المعتدى عليه قاصرا.

كذلك، لحظ القانون السوري مسألة التحرش الجنسي كمداعبة الأطفال أو لمسهم، أو حتى التحرش اللفظي، يقول المحامي السيد «تصل العقوبة في حالة التحرش الجنسي كاللموس والمداعبة إلى عام ونصف من الحبس، كما يعاقب بالحبس لثلاثة أيام أيضاً من وجّه للأطفال كلاماً يخل بالحشمة».

وفي حال كان القاصر الذي تعرض لاعتداء يعاني مرضاً نفسياً أو جسدياً، يشدد القانون السوري العقوبات على مرتكب الجرم بشكل كبير.

قانون رادع… ولكن!

نظرة على القانون السوري توضّح وجود نصوص قانونية من المفترض أنها رادعة، فعقوبة الحبس لمدة تفوق 20 عاما هو حكم مشدد، إلا أن هذه العقوبات لم تقف عائقاً أمام مرتكبي هذه الجرائم.

ترى الناشطة المدنية هبة شيّا أن الحرب وما رافقها من انتشار كبير للسلاح، وانتشار لفصائل مسلحة خارجة عن سلطة القانون ساهمت في ارتفاع عدد حالات اغتصاب الأطفال، موضحةً أن «شعور الجاني بحتمية إفلاته من العقاب ساهم في ارتفاع الحالات»، مشيرة إلى أن معظم حالات الاغتصاب وقعت في الأوساط الخارجة عن سيطرة القانون.

ترى شيّا أن من أسباب انتشار هذه الظاهرة أيضاً الجهل، والعادات والتقاليد البالية بالتعامل مع هذه القضايا وتحميل الطفل مسؤولية الاعتداء، وتضيف أن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب جهداً حكومياً من قبل المؤسسات المسؤولة، في القضاء والسلطة التنفيذية، عن طريق ملاحقة المجرمين وتقديمهم للمحاكم المدنية العادلة، وجهداً من منظمات المجتمع المدني وخاصة المنظمات الحقوقية والمنظمات المعنية بقضايا الطفل، والتي ينبغي عليها أن تولي رعاية خاصة بالأطفال، ضحايا العنف الجنسي، وتعمل على إعادة تأهيلهم ودمجهم بالمجتمع، وتقديم الرعاية اللازمة لهم، إضافة إلى تكثيف حملات التوعية المجتمعية للأسر والأطفال بمخاطر التحرش والعنف الجنسي وكيفية الوقاية منه والإبلاغ عنه».

الطفل الضحية… من يرعاه؟

بعد تعرض أي طفل لاعتداء، تبدأ معاناة من نوع آخر بالنسبة له، سواء تم كشف الأمر أو لم يتم، حيث أشار كل من أمين سر الرابطة السورية للأطباء النفسيين الطبيب جميل ركاب، والناشطة المدينة هبة شيّا، كل على حدة، إلى عدم وجود «مراكز خاصة بالدعم النفسي والاجتماعي لحماية الأطفال الذين تعرضوا لاعتداء ورعايتهم». وترى الناشطة المدنية أن عدم معالجة الطفل ومتابعة حالته تؤدي إلى «صعوبة اندماجه لاحقاً بالمجتمع، الأمر الذي يتسبب فيما بعد بمشاكل اجتماعية كثيرة منها المخدرات والتسول»، وتضيف «من أخطر الحالات تكرار حدوث الاغتصاب، من قبل الأطفال الضحايا على أطفال آخرين».

بدوره، يقول الطبيب النفسي «على الرغم من وجود قانون يشدد العقوبات على المجرم، يلاحظ كثيراً تحميل الشرطة جزءاً من المسؤولية للطفل الضحية، الذي يتعرض خلال التحقيق معه لمعاملة مسيئة، حيث ينظر له كشريك في الجرم، في ظل عدم وجود منظمة تحمي هؤلاء الأطفال وترعى حقوقهم وتتابع حالتهم النفسية والاجتماعية».

وينصح الطبيب الأهل ببناء الثقة مع أطفالهم، وتصديقهم، وتقديم الشرح لهم حول أجسادهم، وحدود الآخرين التي لا يجب أن يتعدوها، كذلك ينصح من تعرض ابنه لاعتداء أن يحاول معه تجاوز الأمر، وعدم الخوض معه في تفاصيل ما حدث بشكل مفصّل لعدم ترسيخ هذه الواقعة في ذاكرته، ومساعدته على تجاوز الأمر، موضحاً أن الأطفال الذين تعرضوا لاعتداء جنسي ولم يتلقوا العناية اللازمة، أو لم يقم أهلهم بمساعدتهم يعانون من أمراض وأزمات نفسية واجتماعية لاحقة، كالاكتئاب، والتراجع الدراسي وغيرها.

تمثّل الأسرة بالنسبة للطفل مصدر الحماية الأول في المجتمع، ما يعني أنه مع تفككها سيصبح الطفل عرضة للمخاطر، وهو ما أظهرته الحرب بشكل جلي سواء عن طريق تجنيد الأطفال، أو استغلالهم بشتى الوسائل، وصولاً إلى الاستغلال الجنسي. اليوم هدأت الحرب في مناطق كثيرة من سورية، ما يتطلب إعادة بناء فعلي للمنظومة الأسرية المتضررة، وإعادة بناء مفاهيم صحيحة تحمي الأطفال، وتشرح لهم حقوقهم، وتبني جسراً من الثقة مع ذويهم، وإعادة بناء مفاهيم مجتمعية صحيحة، كل ذلك يقع على عاتق الحكومة ومؤسساتها أولاً، وعلى المنظمات التي تعنى بالأسرة والمجتمع ثانياً، وعلى الإعلام كشريك رئيسي في نشر المفاهيم التي قد تساعد على حماية الطفل من التحول إلى فريسة

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...