fbpx

الحرب تبلع مهن غريبة لـ «النَوَريات»: كيف انصهر «القرباط» في مجتمعات المدينة التي لا يحبونها؟

0

يعرف الغجر في سورية باسم «النَوَر» أو «القرباط»، وهم جزء من المجتمع السوري يفضلون الحياة على أطراف المدن الكبرى كـ «دمشق – حلب»، وعلى الطرقات الواصلة إلى المنطقة الشرقية، ضمن تجمعات لخيام مبنية مما تيسر من أقمشة، ولهم هجراتهم المرتبطة بمواسم «الشغل»، وفي حين أن ظروف الحرب قد ظلمتهم بإجبارهم على ترك حياتهم التي يحبون لانعدام الأمان، فقد كان المجتمع السوري يظلمهم بتهم متعددة منها عملهم في خطف الأطفال أو الدعارة…

كان عدد من النساء الغجريات يعملن بمهن متعددة غير التسول، وإن كن اليوم ينتشرن في كامل المحافظات السورية بحثاً عن «زبون» يمنحهن بعضاً من المال بعد التوسل إليه بجمل يحفظنها عن ظهر قلب، ويؤدينها بأسلوب تمثيلي مقنع، فإنهن يمتلكن من الحنين الكثير إلى المهن التي كانوا يعملون بها قبل الحرب، التي تمر بها البلاد منذ 8 سنوات، ومن هذه المهن ما هو غريب وما هو مثير للاهتمام.

الوناسة… ملكة الطرقات

تشتغل بمهنة «الوناسة» فتيات تقل أعمارهن عن 25 عاما، إذ كانت تقف مجموعة من الفتيات على الطرقات السريعة، تشير للشاحنة فتركب بجانب السائق لتسليه بأحاديثها وغنائها إلى أن يصل، فتنزل هي بعد أخذ أجرتها التي كانت تتراوح بين ٢٠٠-٣٠٠ ليرة سورية في مقابل «التونيسة» من دمشق إلى اللاذقية، بعدها تعود «مونسة» لسائق آخر، إلى حيث انطلقت أول مرة.

لم تكل سوسن العمل يوماً كـ «ونّاسة»، فصحيح أن بعض السائقين يحاولون التحرش بها ويعرضون عليها مبالغ كبيرة من المال أحيانا مقابل الحصول على جسدها، إلا أنها لا تعدم حيلة لحماية نفسها، فـ «الموس الكباس» دائماً حاضر معها، كما إن «الأظافر الطويلة» تفيد في تشويه وجه السائق في حال حاول اغتصابها، وتؤكد الفتاة التي غادرت هذه المهنة مع بداية الأزمة السورية، أن المرات التي تعرضت فيها للتحرش معدودة على أصابع اليد.

أما مريم التي تتمنى أن تعود إلى ممارسة هذه المهنة، فتقول: «كانت شغلة مسلية، كل يوم تروح على مدينة جديدة وتشوف ناس جديدة»، وتعتبر أن السائق الكريم هو من يعطيها نحو 500 ليرة سورية إضافة لمشاركتها بوجبة طعام «معتبرة» في أي استراحة تصدفهم في الطريق.

ويقول «أبو عمر» الذي يعمل سائقاً لشاحنة كبيرة، بأن بعض الفتيات اللواتي يشتغلن بهذه المهنة يحفظن حكايا تجعلك تسرح بخيالك معهن، ويقصصن الحكايا بطريقة تجبرك على الإنصات، وبعد كل حكاية ثمة وصلة غناء، فأغلبهن ذوات أصوات جميلة، وعلى الرغم من أنهن ينفردن معك بطريق طويلة، لكن في معظم الأحيان لا يقبلن بالعمل كداعرات.

الحفافة… عيادة تجميل متنقلة

تقول نرجس الغجرية التي تركت مهنتها لتتسول على أرصفة المدينة، إنها كانت تجني المال من تزيين النساء بإزالة الشعر الزائد بواسطة الخيط الذي تسميه بـ «خيط المصْيَّص»، وهو ذو الخيط القطني الذي يستخدم في صناعة «اللحاف» الشعبي المقصب، ولتجنب تحسس بشرة الزبونة كانت تستخدم كريم مرطب تخلطه على يدها من «دهون القطن» في إشارة منها لـ «الفازلين»، مع مرهم مضاد للالتهاب كـ «جنتمايسين»، وعطر النعناع ليعطي رائحة زكية.

وتعتبر أن «الحف» أكثر صحية من أي مستحضر آخر للوجه، إذ لا تتردد نرجس بأن تتهم المستحضرات التي صنعت لإزالة الشعر من الوجه، بأنها «مسرطنة»، كما أنها تعتبر أن بنات هذا الجيل «متلفسفات زيادة» لأنهن يلهثن وراء الكريمات والليزر والطرق الحديثة للتجميل.

«بـ ١٠٠ ليرة سورية كانت البنيّة تطلع كُمر»، هكذا تصف نرجس حال البنت بعد الجلسة التي لا تستغرق ٢٠ دقيقة في حد أقصى لتكون حواجبها قد تحولن لهلالين. وضع الكحل العربي للزبونة كان «ع البيعة»، لتعطيها المرآة في آخر الجلسة لترى النتيجة، وتقول إن كل زبوناتها يرضين على النتيجة بشكل كبير.

غالبا كانت الجلسات جماعية، فالزبونة التي تزورها «الحفافة» في منزلها، تجمع كل بنات الحارة المقربات منها ليستفدن من وجود «طبيب التجميل ذو العيادة المتنقلة»، وحقيبتها «خرج صوفي صغير» فيه كل ما تحتاج إليه «خيط قطني – علبة كريم – ملقط»، والأخير يستخدم لإتمام «رتوش» أخيرة للوحة الحية التي رسمتها «الحفافة» على وجه الزبونة.

من هن الحجيّات…؟

على الطرقات الدولية كانت مجموعات الغجر تعيش في مناطق معروفة بالنسبة للسائقين، ويميزون تماماً بين رعاة الأغنام منهم وبين «الحجيات» اللواتي ينصبن خيامهن المصنوعة من أقمشة مزركشة ليقمن حفلات الشواء لسائقي الشاحنات، ومن يقصدهم من «أبناء المدن» القريبة.

«الحجيات» لا يعملن بالدعارة كما يروّج عنهن في العرف المجتمعي، هن يقمن بالغناء الشعبي، والرقص في الخيام التي يعزف بها «أزواجهن أو أخوتهن» على البزق والمهباج والطبلة، وهي أدوات موسيقية تعدّ من الأكثر شيوعا بين الغجر المنتشرين في سورية ولبنان، وتذكّر «سوسن» بمسلسل خان الحرير ودور «فضة» الشهير للفنانة «أمل عرفة»، وتقول «الحجيات مثل فضة، يغنين وفقط»، فلا دعارة ولا مداعبات جنسية كما يشاع عنهن من قبل الناس، فـ «الحجية» فنانة من وجهة نظرها.

أكثر المناطق التي كانت تشهد انتشاراً لـ «الحجيات» هي الطرقات الواصلة إلى دمشق وإلى حلب، وفي محيط مدن الرقة ودير الزور والحسكة، وتقول «مريم» التي كانت تغني أحياناً لمن تسميهم بالضيوف بدلاً من الزبائن: «كنا نأخذ منهم ثمن الأكل لا ثمن الغناء، فالخيمة تشبه أي مطعم أو استراحة، ويأتي إلينا الضيوف لأننا نقدم لهم الأغاني الممتعة والرقص مع الطعام، ولا نزيد على ثمن الأكل بل هو أرخص من الاستراحات، وإذا كان أحد الضيوف كريما وقدم مبلغا من المال كـ (بخشيش)، فنأخذه ونتقاسمه مع (العزيفة) وهم غالباً من ذوي المطربة».

بصارة أم نصابة…؟

تعترف «أم خليل»، أنها تقول ذات الكلام لكل زبائنها، وكانت تنظر لمن يلبس «الدشداشة» قبل الأزمة على أنه الزبون الدسم الثري، لأنها غالباً كانت تعامله على أنه من دول الخليج، وتقول في حديثها لـ «الأيام» إنها لم تكن تعطي الزبون فرصة القبول أو الرفض وتشرح بالقول: «أهجم على الزبون وأبدأ بالكلام، وهو يراقبني ويراقب الخيطان التي أشربكها بين أصابعي بطريقة أحفظها مثلما أحفظ الكلام الذي أقوله، لأقنعه حين شدي للحبل أن السحر الذي يمسه سيفك كما فك الحبل المشربك من بين أصابعي، ثم أقطف من غرته ما قدرت من شعر وأرميه تحت قدميه ليدعس عليه ليؤكد فك السحر»، ومن ثم تطلب منه الإكرامية التي كانت تتنوع ما بين 25 – 500 ليرة سورية، ويحكم قيمة المبلغ «كرم الزبون».

أهم المناطق التي كانت مرتعا لـ «البصارات»، هي منطقة المطاعم على قمة جبل قاسيون، فهناك يكون الكل «مليان مصاري»، وأحسن الزبائن هم من يكون برفقة حبيبته أو زوجته، ومن بين أنواع التبصير الأكثر إثارة بالنسبة لهن هو «الودع»، حيث تفرد البصارة قطع من القماش وتبدأ برمي قطع من الصدف والخرز والخواتم المعدنية وأشياء أخرى لتقرأ لزبونها طالعه، وأول الأمر تطلب منه «تبييض الفال» أي منحها قطعة نقدية ورقية بحسب ما يرى هو، ثم تبدأ بسرد ما تريده عليه وغالباً تنتقي بـ «حرفية عالية» كلماتها لتؤثر عليه، وتشرح «أم خليل» بالقول: «كل الناس تحب سماع كلمات مثل، جايتك رزقة، عندك حساد، بحياتك في شخص يحبك وأنت لا تعرف، صفات الحبيب المفترض»، وبعد الانتهاء على الزبون أن يدفع مبلغا مالياً ثانياً، هو أجرة التبصير، فالأجرة تختلف تماماً عن «تبييض الفال».

لم يعد بإمكان البصارات الانتشار في المناطق السياحية، لأن هذه المناطق إما مغلقة أو لا يقصدها زبائن، وبعد انصهار الغجر في المدن، باتت المهنة الوحيدة التي تجمعهم هي «الشحادة» على المفارق وفي الساحات وفي الشوارع المكتظة وأمام المولات، وإن كنا نختلف أو نتفق على سلبية هذه المهن التي كانت شائعة في المجتمع السوري، فإننا نجمع على أن الحرب أثرت بشكل كبير في مجتمعنا، وأدت لاختفاء الكثير من التفاصيل التي كانت حاضرة قبلها، ولا يبدو أنها ستعود يوماً.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...