fbpx

فقاعات هوائية تغطي قاعات المؤتمرات!

0

تراجع اقتصادنا 30عاماً… هذه خلاصة ما توصل إليه الصناعي فؤاد غانم من محافظة حلب، حينما أعلن عجزه عن إيصال الحقيقة المرة الذي يحاول أصحاب النفوذ في القطاع الاقتصادي والمال إخفاءها من خلال تصريحات لا تعدّ إلا فقاعات هوائية ضمن المؤتمرات والمنتديات التي تعقد، والتي غايتها التسويق لصالح شركات محددة لا أكثر.

غانم، أحد الصناعيين الذين فقدوا منشأتهم الصناعية في حلب جراء الحرب، والذين بلغ عددهم أكثر من 4000 صناعي، يؤكد في تصريحه لـ «الأيام» إن القطّاع الاقتصادي عانى الكثير من العقبات منذ سبع سنوات وخاصة قطاع المال، ما انعكس بآثاره السلبية على السوق على شكل ارتفاع أسعارٍ بمعدّلٍ تجاوز 10 أضعاف.

ويكمل غانم: كلام وزير المالية غير مقنع أبداً وللحظة الأولى أحسست أنني أعيش في زمن المعجزات، عندما صرح في كلمته أنه «في زمن الحروب يمكن أن يتضرر أي بلد في قطاعه المالي باستثناء القطاع المالي في سورية، فهو ما زال محافظ على عمله وتطوره».

ويضيف: يبدو أنه لم يتابع مدى الصعوبات التي عانى منها الصناعيون والتجار، فالعقوبات منعت التعامل مع رجال أعمال سوريين، وتحويل الأموال إلى سورية، وأصبح التجّار يبتكرون أساليب جديدة مكلفة للتحويل، وفتح الاعتمادات المصرفية بأساليب ملتوية، كما كان لارتفاع سعر الصرف أثره السلبي على القطاع الاقتصادي رغم استفادة فئات تجارية منه.

سوريا من بلاد العجائب

وكان وزير المالية مأمون حمدان قد صرح في كلمة مطولة له، أن «قطاع المال والمصارف لم يتأذ أبداً رغم الحرب، حتى أن مخزون القطع الأجنبي كان قد ارتفع، مبيناً أن الدولة السورية ليس لديها ديون خارجية، لذلك فإن الحكومة تدرس إعادة تفعيل وإطلاق ومنْح كل أشكال القروض والتسهيلات بمختلف أنواعها، ضمن الأولويات التي تتلاءم مع متطلبات التنمية، كما أن قطاع التأمين بشقيه العام والخاص له أهمية كبيرة في المرحلة الحالية والمستقبلية».

وركز الوزير في كلمته على بث الشعارات التي بتنا نحفظها عن ظهر قلب لكثرة تكرراها في المؤتمرات وورشات العمل، مبتعداً عن كل الأضرار التي أصابت القطاع، والخسائر والصعوبات والقرارات غير الصائبة التي أصابت قطاع المال والاقتصاد، فكانت النقاط الجوهرية له هي الخطوات التي ساهمت في صمود سورية طيلة سنوات الحرب.

واستعرض حمدان نقاط القوة التي ساعدت على تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ، وتعزيز إجمالي الناتج المحلي، وأضاء على أن جميع المصارف السورية العامة والخاصة استمرت بالعمل خلال سنوات الأزمة من دون توقف، ولم تثنِ القذائف المواطنين عن إيداع الأموال داخل المصارف العامة والخاصة، والتي بلغت أكثر من 1800 مليار ليرة سورية.

وبحسب حمدان لم تتوقف كذلك أي شركة تأمين، ولا سوق دمشق للأوراق المالية عن أيّ من أعمالها رغم الحرب، مضيفاً «يجب علينا اليوم أن نعمل على إعادة دوران عجلة الإنتاج، مع وضوح النشاط المصرفي المنسجم مع ما تقرّه الحكومة بالتمويل اللازم للإنتاج، وخلق الفرص الاستثمارية لتوظيف الأموال في الدورة الإنتاجية، لدور القطاع المصرفي الكبير، فيدفع عملية الإنتاج وعودة النصاب لأفضل مما كان عليه، واليوم نؤكد على توافر الإمكانات المالية لدى المصارف لدعم كافة القطاعات الاقتصادية من أفراد ومؤسسات، والحكومة تدرس بجدية ومسؤولية إعادة تفعيل منح كافة أنواع القروض والتسهيلات» بحسب وزير المالية.

9 مليارات خسائر المصارف

الباحث المصرفي علي محمود يعلق في حديثه لـ «الأيام» على الموضوع قائلاً: يعدّ القطاع المصرفي من أشد القطاعات تأثراً بالحرب في سورية لعدة أسباب منها، خروج الكثير من المصارف العامة والخاصة، وخصوصا في مناطق التوتر عن الخدمة، وتوقفت عن أداء خدماتها للمتعاملين، إضافة لكمية السرقات الهائلة الجارية على إيداعات المصارف، وتوقف المصارف عن الغاية الأساسية التي أنشأت من أجلها وهي إقراض المتعاملين، الأمر الذي توقف منذ بداية الأزمة، لاعتبارات كثيرة أهمها عدم وجود الضمانات في ظل المتغيرات الأمنية وتغير سعر الصرف.

ويضيف المحمود: هناك كمية هائلة من الكتلة النقدية المقترضة سابقاً أصبحت في حكم الديون المستهلكة، نتيجة عدم إمكانية السداد سواء لدى الجهة المقترضة لدمار المنشأة أو المسكن المسحوب عليه القرض وسوء الوضع المالي للمواطن السوري بشكل عام وعدم إمكانية تحصيل الأموال في المناطق المتوترة بالنسبة للمصرف، كما أن انخفاض القيمة الشرائية للعملة الوطنية تجاه المتغيرات الاقتصادية من الخارج، الأمر الذي يجعل التحصيل لا جدوى منه. وحتى منع التعامل والعقوبات المالية المفروضة على المصارف السورية، كل هذه الظروف أدت إلى خسائر غير مسبوقة في القطاع المصرفي، وصلت وحسب الإحصائيات إلى ما يزيد عن 9 مليارات دولار.

خسائر القطاع المالي… بالأرقام

مصدر مسؤول من وزارة المالية أكد لـ «الأيام» أن القطاع المالي في حالة من الفوضى، فقد عزلت المصارف السورية إلى حد كبير عن السوق الدولية، وأغلقت ثلاثة أرباع السوق المصرفية لتصبح بعيدة عن أنظمة الدفع والتسوية الدولية، كنتيجة للعقوبات الدولية، بينما جمدت أغلبية الأصول الأجنبية، وأصبحت القروض غير المنتظمة مشكلة كبيرة، خصوصاً بعد أن ارتفعت إلى 35٪ في عام 2013، في مقابل 4٪ فقط في عام 2010.

كما أن التقديرات الأولية لانخفاض الاحتياطات الدولية حوالي 1 بليون دولار، أدى إلى انخفاض سعر الصرف مقابل الليرة السورية، وبذلك تكون الليرة قد خسرت حوالي 80% من قيمتها مقابل الدولار.

وأضاف المصدر أن سورية لم تعد تتلقى سوى الشيء قليل من التدفقات المالية ورأس المال الخاص، بالإضافة لانعدام الاستثمارات، كما أن سورية لم تعد تستطيع سداد ديونها، ولم يعد يسمح لها بإعادة أي من الأرباح، في حين أن المساعدة المالية المفترضة تأتي فقط عن طريق خطوط الائتمان الموقعة مع الحليف الإيراني.

وبحسب المصدر فإن العجز المالي يقدر بأكثر من 20% من الناتج الإجمالي لعام 2017 مقابل 8٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010، وبينما يقوم الائتمان الإيراني بتمويل جزء من الدين السوري، يتم تغطية ما تبقى على الصعيد الداخلي، من قبل البنك المركزي والبنوك التجارية. وكان الدين العام يتجاوز 100٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2015، مقابل 31٪ من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2009.

الليرة السورية

بدأ سعر صرف الليرة السورية مسلسل الارتفاع المطرد منذ بداية الحرب في عام 2011، فمن سعر صرف مقداره (47) ليرة لكل دولار، أخذت الليرة مع نهاية كل عام تستنزف من قيمتها لتسجل أعلى انخفاضاتها في عام 2016، حيث ارتفع سعر الصرف في أيار إلى 645 ليرة أمام الدولار، وفي عام 2017 تراوح السعر بين (410) و(550) ليرة، ليصل بعام 2018 إلى 502 ليرة سورية.

وأثرت مجموعة من العوامل على الليرة، منها ما هو مرتبط بسياسات المصرف المركزي، ومنها ما ارتبط بالنتائج الكارثية على الاقتصاد السوري بسبب الحرب والأوضاع الأمنية المتدهورة.

لم يُظهر المصرف المركزي أي استراتيجية ثابتة ومستقرة، تتناسب مع ظروف الأزمة، بل التخبط بالقرارات والتوجيهات والإجراءات العديدة أسهمت في إذكاء أزمة سعر الصرف. ومن بين تلك الإجراءات السماح بإبدال عشرة آلاف دولار ثم إلغاء هذا القرار لاحقاً، ومطالبة من أبدل بالإرجاع تحت طائلة المسؤولية القانونية. وترك تمويل جزء من الواردات للمصادر الخاصة من القطْع، وهو ما أدى إلى رفع سعر القطع تدريجياً عن طريق شركات الصرافة والمصارف، وتنفيذ عدة مزادات لبيع القطْع لمكاتب الصرافة، ما أسهم بارتفاع السعر في السوق الحرة، والسماح للمصارف الخاصة ببيع وشراء القطع خارج نشرة أسعار المركزي.

من جانب آخر، فقد أدّت العمليات العسكرية والعقوبات السياسية والاقتصادية، إلى شلل شبه كامل في قطاعات الإنتاج، ومن ثم تراجع حجم الإيرادات مع تزايد الإنفاق المطلوب لمواجهة تكاليف العمليات العسكرية، وانخفضت الصادرات مقابل ارتفاع الواردات بشكل متفاوت. كما أدت الحرب وحالة عدم الاستقرار إلى هروب عشرات مليارات الدولارات من سورية إلى الخارج.

الأجيال القادمة ستدفع الثمن

وفي سياق متصل، يؤكد الدكتور في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، حسن حزوري لـ «الأيام» أنه ومنذ عام ٢٠١١، وحتى عام ٢٠١٨، تم استنزاف قسم كبير جدا من احتياطيات القطع الأجنبي، سواء كان لتمويل النفقات أو لتمويل المستوردات من السلع الأساسية والمواد الأولية، ونتيجة دمار عدد كبير من المنشآت الإنتاجية، ولتعويض النقص زاد حجم المستوردات على حساب تراجع الصادرات، مما أدى لزيادة الطلب على القطع الأجنبي (الدولار) وعرض مقابل ذلك الليرة السورية، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية لليرة السورية، نتيجة ارتفاع سعر الصرف أمام الدولار الأمريكي… وسيزداد الطلب على الدولار في مرحلة إعادة الإعمار… لاستيراد المتطلبات اللازمة لإعادة البناء وإقلاع المنشآت المدمرة… وما لم يقابل ذلك دوران عجلة الإنتاج الصناعي والزراعي، فإن سعر صرف الدولار لن يكون مستقرا… ولن يستطيع البنك المركزي تثبيته ما لم تدور عجلة الإنتاج. وأشار الحزوري إلى أن أحد المؤشرات الاقتصادية للحكم على الوضع الاقتصادي، هو أن نقيس نسبة عجز الموازنة (الفرق بين الإيرادات والنفقات) إلى الناتج المحلي الإجمالي، فكلما كانت هذه النسبة منخفضة كلما دل ذلك على وضع جيد للاقتصاد فعندما نقول نسبة العجز أقل من ١٠% فهذا مؤشر مقبول، وعندما نقول حوالي ٣% فهذا جيد، وعندما تصبح النسبة ٢٠% أو أكثر، فهذا يدل على أن النفقات الحكومية تزداد بنسبة أكبر من نسبة النمو الاقتصادي، وهو مؤشر غير مقبول على الرغم من أن هذه النسبة أمام حجم الدمار الذي حصل خلال ٨ سنوات تقريبا، ما زالت مقبولة ونأمل أن لا تزيد عن ذلك، وكلما زاد العجز في الموازنة، كلما زاد حجم الدين. يعني ذلك أن الأجيال القادمة هي التي ستدفع التكلفة.

حلول بعيدة المدى …

وفي الوقت الذي تصرح به الحكومة حول تعافي الاقتصاد بأكثر من 70%، موزعة رشفة من الأمل على السوريين، من خلال الخطط الإسعافية التي ستعمل بها لإعادة أعمار سورية من جديد بجميع قطاعاتها، يؤكد الدكتور الاقتصادي أكرم الحوراني لـ «الأيام»، أن الأمر قد يستغرق 20 عاماً لعودة الاقتصاد إلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي ما قبل الحرب، ومع ذلك، وبالنظر إلى المستوى غير المسبوق من الدمار، يمكن أن يستغرق وقتا أطول من ذلك.

لذلك يجب القيام بإصلاحات اقتصادية تهدف إلى تحقيق الاستقرار، وذلك بعد أن تتم استعادة الأمن وإعادة الإعمار، كما ينبغي النظر في تقديم خطط اقتصادية بعيدة المدى، كتطوير القطاعات غير النفطية والحفاظ على الديمومة المالية، بتوفير الحماية الاجتماعية للشباب العاطلين عن العمل، وتنمية القطاع الخاص بكونه أمراً بالغ الأهمية، وهنالك أيضا الموارد البيئية والطبيعية، وبخاصة ذات الصلة بإمدادات المياه والصرف الصحي.

يجب على الحكومة النظر في الكيفية التي سوف تتعامل بها مع الفوارق الإقليمية التي ستكون فيها عندما ستبدأ في عملية إعادة الأعمار، وذلك لتجنب تكرار حالة عدم الاستقرار، كما أن من الضروري للسياسة المالية والإدارية أن تكون فعالة ونزيهة وشفافة، وما أن تبدأ بالقيام بالإصلاحات الاقتصادية، يجب عليها أن تعي كاملاً تلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

على الأمل …

وفي النهاية لا يتوجب علينا إلا الانتظار لنهاية هذا العام لنراقب ما الذي ستقوم به القرارات الجديدة التي وعد بها وزير المالية لتحسين القطاع المالي بشكل كامل، والذي بدوره سينعكس على جميع القطاعات الاقتصادية على أمل أن ننفض غبار الدمار الحاصل في القطاع، من خلال تفعيل الحلول اللازمة لتمويل وإعادة تمويل المشاريع الكبرى، بما يحقق سيولة مرتفعة يتم توظيفها في مشاريع استثمارية متنوعة، تحقق عوائد مرتفعة للناتج الوطني، والاستفادة من مزايا حكومية حقيقة وليست وهمية، ومتنوعة وخاصة الضريبية، إضافة لضرورة اتّباع إجراءات تنفيذية بعيدة عن الروتين بذهنية جديدة وعقلية مرنة في التعامل مع المستثمر والتاجر والصناعي والمزارع.

نقلا عن الأيام

تعليقات
Loading...